وَعَلَامَةُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، أَنَّهَا طَلْقَةٌ ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ ، وَأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ ، لَيْسَ لَهَا كَثِيرُ شُعَاعٍ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثَرَ فِيهَا مِنْ قَوْلِ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي .
قُلْتُ : قَالَ صَاحِبُ « الْبَحْرِ » : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْقَدِيمِ : أَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ فِي يَوْمِهَا ، كَاجْتِهَادِهِ فِي لَيْلَتِهَا . وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : إِنْ قَالَهُ قَبْلَ رَمَضَانَ ، أَوْ فِيهِ قَبْلَ مُضِيِّ أَوَّلِ لَيَالِي الْعَشْرِ ، طُلِّقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ ، وَإِنْ قَالَهُ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ لَيَالِيهَا ، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَى مُضِيِّ سَنَةٍ . هَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي « الْمُهَذَّبِ » ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا .
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ . وَنُقِلَ فِي « الْوَسِيطِ » هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ . فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ اعْتِبَارُ مُضِيِّ سَنَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا فِي كُتُبِ الْغَزَالِيِّ .
وَقَوْلُهُ : الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ ، مُسَلَّمٌ ، لَكِنْ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ .
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُتَرَدِّدٌ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ ، وَيَمِيلُ إِلَى بَعْضِهَا مَيْلًا لَطِيفًا ، وَانْحِصَارُهَا فِي الْعَشْرِ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِهِ ، وَالطَّلَاقُ يُنَاطُ وُقُوعُهُ بِالْمَذَاهِبِ الْمَظْنُونَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ . وَهَذَا لَا تَكَادُ تَجِدُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ .
قُلْتُ : قَدْ قَالَ الْمُحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ « التَّنْبِيهِ » : تُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَقَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ : طُلِّقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ ، فِيهِ تَجَوُّزٌ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 390
مساهمون: النووي
ص٣٩٠