ومالا نَعْلَمُهُ أَمْسَكْنَا عَنْهُ ، وَمَا كَانَ مُقَدِّمَةُ
دَلِيلِهِ مَشْكُوكًا فِيهَا عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ ، كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَشُكَّ فِيهِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ ، وَإِلَّا فَلْيَسْكُتْ عَمَّا لَمْ يَعْلَمْ .
وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا ، فَكَذَلِكَ قَاصِدُهُ يَقْصِدُهُ إلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّا فَعَلْنَاهُ لَكُنَّا قَاصِدِينَ لَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ، لَكِنَّ قَصْدَنَا لَهُ بِالْقَصْدِ إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّنَا ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّامَّ الْجَازِمَ يُوجِبُ طَلَبَ الْمَقْصُودِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ .
وَلِهَذَا قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمَّا تَكَلَّمْنَا عَلَى تَنَازُعِ النَّاسِ فِي النِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْفِعْلِ هَلْ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا أَمْ لَا يُعَاقَبُ ؟ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ تُوجِبُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُرِيدُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُرَادِ ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ مَقْدُورَهُ لَمْ تَكُنْ إرَادَتُهُ جَازِمَةً ، بَلْ يَكُونُ هَمًّا ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَرَكَهَا لِلَّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ .
وَلِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهَمِّ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد : الْهَمُّ هَمَّانِ : هَمُّ خَطَرَاتٍ وَهَمُّ إصْرَارٍ . فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَمَّ هَمًّا تَرَكَهُ لِلَّهِ فَأُثِيبَ عَلَيْهِ ، وَتِلْكَ هَمَّتْ هَمَّ إصْرَارٍ فَفَعَلَتْ مَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ تَحْصِيلِ مُرَادِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا الْمَطْلُوبُ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا : يُعَاقَبُ بِالْإِرَادَةِ ، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : " إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ " . فَهَذَا أَرَادَ إرَادَةً جَازِمَةً ، وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَطْلُوبَهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ ، فَمَتَى كَانَ الْقَصْدُ جَازِمًا ، لَزِمَ أَنْ يَفْعَلَ الْقَاصِدُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ ، فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى حُصُولِ مَقْصُودِهِ بِطَرِيقِ مُسْتَقِيمٍ امْتَنَعَ مَعَ الْقَصْدِ
التَّامِّ أَنْ يُحَصِّلَهُ بِطَرِيقِ مَعْكُوسٍ مِنْ بَعِيدٍ . فَلِهَذَا
الرسالة العرشية — صفحة 26
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦