وَلَقَدْ لَجَّ بَعْضُهُمْ حِينَ وُجِّهُوا بِالنَّصِيحَةِ فَلَمْ يَرْجِعُوا ، فَكَانَ الْقُرَشِيُّ الْمُقْرِئُ أَقْرَبَ مَرَامًا مِنْهُمْ .
حُكِيَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ بِقُرْطُبَةَ مُقْرِئًا يُعْرَفُ بِالْقُرَشِيِّ ، وَكَانَ لَا يُحْسِنُ النَّحْوَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ قَارِئٌ يَوْمًا : { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } [ ق : 19 ] فَرَدَّ عَلَيْهِ الْقُرَشِيُّ " تَحِيدٌ " بِالتَّنْوِينِ ، فَرَاجَعَهُ الْقَارِئُ - وَكَانَ يُحْسِنُ النَّحْوَ - فَلَجَّ عَلَيْهِ الْمُقْرِئُ وَثَبَتَ عَلَى التَّنْوِينِ . فَانْتَشَرَ الْخَبَرُ إِلَى أَنْ بَلَغَ يَحْيَى بْنَ مُجَاهِدٍ الْأَلْبِيرِيَّ الزَّاهِدَ - وَكَانَ صَدِيقًا لِهَذَا الْمُقْرِئِ - فَنَهَضَ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ قَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ بَعُدَ عَهْدِي بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى مُقْرِئٍ فَأَرَدْتُ تَجْدِيدَ ذَلِكَ عَلَيْكَ فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أُرِيدُ أَنْ أَبْتَدِئَ بِالْمُفَصَّلِ فَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي الصَّلَوَاتِ ، فَقَالَ الْمُقْرِئُ : مَا شِئْتَ . فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ فَلَمَّا بَلَغَ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ رَدَّهَا عَلَيْهِ الْمُقْرِئُ بِالتَّنْوِينِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ : لَا تَفْعَلْ ، مَا هِيَ إِلَّا غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ بِلَا شَكٍّ . فَلَجَّ الْمُقْرِئُ ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ مُجَاهِدٍ تَصْمِيمَهُ قَالَ لَهُ : يَا أَخِي إِنِّي لَمْ يَحْمِلْنِي عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَيْكَ إِلَّا لِتُرَاجِعَ الْحَقَّ فِي لُطْفٍ ، وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ أَوْقَعَكَ فِيهَا قِلَّةُ عِلْمِكَ بِالنَّحْوِ ، فَإِنَّ الْأَفْعَالَ لَا يَدْخُلُهَا التَّنْوِينُ ، فَتَحَيَّرَ الْمُقْرِئُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْنَعْ بِهَذَا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْمُصْحَفُ . فَأَحْضَرَ مِنْهُ جُمْلَةً فَوَجَدُوهَا مَشْكُولَةً بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، فَرَجَعَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 868
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨٦٨