فَهَذَا أَيْضًا مِمَّنْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ الْبِدْعَةِ حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْقَتْلِ ، فَكُلُّ مَنْ بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغَ حَقِيقٌ أَنْ يُوصَفَ بِالْوَصْفِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ الْحَرْبَ .
وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَاخَلُوا الْمُلُوكَ فَأَدْلَوْا إِلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ الْوَاهِيَةِ ، وَصَغَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَمَلَةَ السُّنَّةِ وَحُمَاةَ الْمِلَّةِ ، حَتَّى وَقَفُوهُمْ مَوَاقِفَ الْبَلْوَى ، وَأَذَاقُوهُمْ مَرَارَةَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَانْتَهَى بِأَقْوَامٍ إِلَى الْقَتْلِ ، حَسْبَمَا وَقَعَتِ الْمِحْنَةُ بِهِ زَمَانَ بِشْرٍ الْمَرِّيسِيِّ فِي حَضْرَةِ الْمَأْمُونِ وَابْنِ أَبِي دُؤَادٍ وَغَيْرِهِمَا .
فَإِنْ لَمْ تَبْلُغِ الْبِدْعَةُ بِصَاحِبِهَا هَذِهِ الْمُنَاصَبَةَ فَهُوَ غَيْرُ مُشْرَبٍ حُبَّهَا فِي قَلْبِهِ كَالْمِثَالِ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَمْ مِنْ أَهْلِ بِدْعَةٍ لَمْ يَقُومُوا بِبِدْعَتِهِمْ قِيَامَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ ، بَلِ اسْتَتَرُوا بِهَا جِدًّا ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلدُّعَاءِ إِلَيْهَا جِهَارًا ، كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَدُّ فِي الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ وَأَهْلِ الْعَدَالَةِ بِسَبَبِ عَدَمِ شُهْرَتِهِمْ بِمَا انْتَحَلُوهُ .
فَهَذَا الْوَجْهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ أَوْلَى الْوُجُوهِ بِالصَّوَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
[ الْإِشْرَابُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هَلْ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْبِدَعِ دُونَ بَعْضٍ أَمْ لَا يَخْتَصُّ ]
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ
أَنَّ هَذَا الْإِشْرَابَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هَلْ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْبِدَعِ دُونَ بَعْضٍ أَمْ لَا يَخْتَصُّ ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ بَعْضَ الْبِدَعِ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُشْرِبَ قَلْبَ صَاحِبِهَا جِدًّا ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، فَالْبِدْعَةُ الْفُلَانِيَّةُ مَثَلًا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَتَجَارَى بِصَاحِبِهَا كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ وَالْبِدْعَةُ الْفُلَانِيَّةُ لَيْسَتْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 786
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٧٨٦