وَلَمْ أُرِدْ قَصَّ تِلْكَ الِاعْتِرَاضَاتِ تَعْزِيزًا لِلْمُعْتَرِضِ فِيهِ ، لَمْ أَعْنِ بِرَدِّهَا لِأَنَّ غَيْرِي - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - قَدْ تَجَرَّدَ لَهُ ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ بِالْحِكَايَةِ عَنْهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ بَيَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : « تُجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ » وَقَبْلُ وَبَعْدُ فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ إِذَا اسْتَحْكَمَتْ فِيهِمْ أَهْوَاؤُهُمْ لَمْ يُبَالُوا بِشَيْءٍ ، وَلَمْ يُعِدُّوا خِلَافَ أَنْظَارِهِمْ شَيْئًا ، وَلَا رَاجَعُوا عُقُولَهُمْ مُرَاجَعَةَ مَنْ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ وَيَتَوَقَّفُ فِي مَوَارِدِ الْإِشْكَالِ ( وَهُوَ شَأْنُ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعُقُولِ ) وَهَؤُلَاءِ صِنْفٌ مِنْ أَصْنَافِ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِعَذَلِ الْعَاذِلِ فِيهِ ، ثُمَّ [ هُنَاكَ ] أَصْنَافٌ أُخَرُ تَجْمَعُهُمْ مَعَ هَؤُلَاءِ إِشْرَابُ الْهَوَى فِي قُلُوبِهِمْ ، حَتَّى لَا يُبَالُوا بِغَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالتَّمْثِيلِ ، صِرْنَا مِنْهُ إِلَى مَعْنًى آخَرَ ، وَهِيَ
[ قَوْلُهُ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ فِيهِ الْإِشَارَةُ بِتِلْكَ فَلَا تَكُونُ إِشَارَةً إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَلَا مُحَالٍ بِهَا ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ
إِنَّ قَوْلَهُ : « تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ » فِيهِ الْإِشَارَةُ بِ " تِلْكَ " فَلَا تَكُونُ إِشَارَةً إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ ، وَلَا مُحَالًا بِهَا عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ ، بَلْ لَابُدَّ لَهَا مِنْ مُتَقَدِّمٍ تَرْجِعُ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ إِلَّا الْأَحْوَالُ الَّتِي كَانَتِ السَّبَبَ فِي الِافْتِرَاقِ ، فَجَاءَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِيثِ مُبَيِّنَةً أَنَّهَا الْأَهْوَاءُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : « تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ » فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ خَارِجٍ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ إِنَّمَا خَرَجَ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى عَنِ الشَّرْعِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا قَبْلُ فَلَا نُعِيدُهُ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 781
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٧٨١