ولكن ؛ لا تظنها القاضية ؛ فقد انحدر من صلب الشريعة رجال تفقهوا في الدين ؛ امتشقوا حسام العلم ، وتسنموا غارب الوحي ، وولوا إلى قومهم منذرين ؛ ليذبوا عن الإسلام انتحال الغالين ، وتأويل الجاهلين ، وتحريف المبطلين ؛ الذين اتخذوا القرآن عضين ، وفرقوا الجمع فكانوا عزين ، فأمعنوا في شبه الباطل نحرا وتقتيلا ؛ تارة بالعلم والتعليم ، وأخرى بالرد والتحذير ، وكرة بالهجر والتعنيف ، وكرات بالتأليف والتصنيف .
" وقد كتب كثير من العلماء في البدع ، وكان أكثر ما كتبوا في الترهيب والتنفير ، والرد على المبتدعين ، ولكن الفرق التي يرد بعضها على بعض بدعي كل منها : أنه هو المحق ، وأن غيره الضال المبتدع : إما بالإحداث في الدين ، وإما بجهل مقاصده والجمود على ظواهره ، وما رأينا أحدا منهم هدي إلى ما هدي إليه أبو إسحاق الشاطبي من البحث الأصولي في هذا الموضوع ، وتقسيمه إلى أبواب يدخل في كل منها فصول كثيرة " ( 1 ) .
وهو بذلك من أول من قعد أصول علم معرة البدع ؛ فإن كتابه " الاعتصام " لا ند له في بابه ؛ فهو واسطة عقده ونسيج وحده .
ولقد أعانه على ذلك رسوخه في معرفة مقاصد الشريعة ، واطلاعه على أسرارها ودقائقها ؛ يدلك على ذلك كتابه " الموافقات " .
وهذا مما دفعنا إلى الاعتناء به ، وتحقيق نصوصه ، وتخريج أحاديثه ؛ بحسب الوسع والوقت ، والله ولي التوفيق .
هامش
( 1 ) من مقدمة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله للطبعة الأولى .