مُعَامَلَةَ الْمُرْتَدِّينَ .
وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ! إِنَّا وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِلْهَوَى ، وَلِمَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُتَّبِعِينَ لِلْهَوَى بِإِطْلَاقٍ ، وَلَا مُتَّبِعِينَ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمْ كَذَلِكَ لَكَانُوا كُفَّارًا ، إِذْ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا مَعَ رَدِّ مُحْكَمَاتِهَا عِنَادًا ، وَهُوَ كُفْرٌ . وَأَمَّا مَنْ صَدَّقَ بِالشَّرِيعَةَ وَمَنْ جَاءَ بِهَا ، وَبَلَغَ فِيهَا مَبْلَغًا يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلدَّلِيلِ بِمِثْلِهِ ، لَا يُقَالُ : أَنَّهُ صَاحِبُ هَوًى بِإِطْلَاقٍ . بَلْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّرْعِ فِي نَظَرِهِ لَكِنْ بِحَيْثُ يُمَازِجُهُ الْهَوَى فِي مَطَالِبِهِ مِنْ جِهَةِ إِدْخَالِ الشَّبَهِ فِي الْمُحَكَّمَاتِ بِسَبَبِ اعْتِبَارِ الْمُتَشَابِهَاتِ ، فَشَارَكَ أَهْلُ الْهَوَى فِي دُخُولِ الْهَوَى فِي نِحْلَتِهِ ، وَشَارَكَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى الْجُمْلَةِ .
وَأَيْضًا ، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمُ اتِّحَادُ الْقَصْدِ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ مَطْلَبٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الِانْتِسَابُ إِلَى الشَّرِيعَةِ . وَمِنْ أَشَدِّ مَسَائِلِ الْخِلَافِ - مَثَلًا - مَسْأَلَةُ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ حَيْثُ نَفَاهَا مَنْ نَفَاهَا ، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَقَاصِدَ الْفَرِيقَيْنِ وَجَدْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَائِمًا حَوْلَ حِمَى التَّنْزِيهِ وَنَفْيِ النَّقَائِصِ وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْأَدِلَّةِ . وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الطَّرِيقِ ، وَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِهَذَا الْقَصْدِ فِي الطَّرَفَيْنِ مَعًا ، فَحَصَلَ فِي هَذَا الْخِلَافِ أَشْبَهَ الْوَاقِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي الْفُرُوعِ ؟
وَأَيْضًا ، فَقَدْ يُعْرَضُ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُخَالِفِ مِنْهُمْ فَيَرْجِعُ إِلَى الْوِفَاقِ لِظُهُورِهِ عِنْدَهُ ، كَمَا رَجَعَ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ الْخَارِجِينَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَلْفَانِ ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ الرُّجُوعِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَنَّ الْمُبْتَدِعَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 695
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٩٥