وَاحْتَجَّ مَرَّةً أُخْرَى فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } [ الحشر : 8 ] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ قَالَ : فِيهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَهُ ، وَأَنْصَارُهُ { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } [ الحشر : 10 ] فَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ ، وَفِي فِعْلِ خَوَاصِّ الْفَرْقِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ .
وَأَمَّا بَعْثُ الدَّجَّالِينَ ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ جُمْلَةً ، مِنْهُمْ مَنْ تَقَدَّمَ فِي زَمَانِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ . وَمِنْهُمْ مَعْدٌ مِنَ الْعُبَيْدِيَةِ الَّذِينَ مَلَكُوا إِفْرِيقِيَّةَ ، فَقَدَ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ مَعْدًا رَسُولَ اللَّهِ ، عِوَضًا مِنْ كَلِمَةِ الْحَقِّ أَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِ ثُمَّ رَفَعُوهُ إِلَى مَعْدٍ لِيَرَوْا هَلْ هَذَا عَنْ أَمْرِهِ ؟ فَلَمَّا انْتَهَى كَلَامُهُمْ إِلَيْهِ ، قَالَ : أُرْدُدْ عَلَيْهِمْ أَذَانَهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ .
وَمَنْ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الْعِصْمَةَ ، فَهُوَ شِبْهُ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ، فَقَدْ جَاوَزَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ الْمَغْرِبِيُّ الْمُتَسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ .
وَقَدْ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْقَرِيبِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْفَازَازِيَّ ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بِأُمُورٍ مُوهِمَةٍ لِلْكَرَامَاتِ ، وَالْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ ، وَمُخَيَّلَةٍ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 592
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥٩٢