تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
الْعَادَاتِ عَلَى مَا أُرِيدَ تَحْقِيقُهُ ، فَنَقُولُ : إِنَّ مَدَارِكَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَلَى بِضْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً ، يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى أُصُولٍ هِيَ كُلُّهَا أَوْ غَالِبُهَا بِدَعٌ ، وَهِيَ قِلَّةُ الْعِلْمِ وَظُهُورُ الْجَهْلِ ، وَالشُّحُّ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ ، وَتَحْلِيلُ الدِّمَاءِ وَالزِّنَا وَالْحَرِيرُ وَالْغِنَاءُ وَالرِّبَا وَالْخَمْرُ ، وَكَوْنُ الْمَغْنَمِ دُوَلًا ، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ، وَارْتِفَاعُ الْأَصْوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَتَقْدِيمُ الْأَحْدَاثِ ، وَلَعْنُ آخِرِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِينَ ، وَمُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ . - أَمَّا قِلَّةُ الْعِلْمِ وَظُهُورُ الْجَهْلِ فَبِسَبَبِ التَّفَقُّهِ لِلدُّنْيَا ، وَهَذَا إِخْبَارٌ بِمُقْدِمَةٍ أَنْتَجَتْهَا الْفُتْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ - حَسْبَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : « إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ » إِلَى آخِرِهِ - وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ قَائِدٍ يَقُودُهُمْ فِي الدِّينِ بِجَرَائِمِهِمْ ، وَإِلَّا ؛ وَقَعَ الْهَرَجُ وَفَسَدَ النِّظَامُ ، فَيُضْطَرُّونَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى مَنِ انْتَصَبَ لَهُمْ مَنْصِبَ الْهِدَايَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عَالِمًا ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى رَأْيِهِ فِي الدِّينِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ جَاهِلٌ ، فَيُضِلُّهُمْ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ؛ كَمَا أَنَّهُ ضَالٌّ عَنْهُ ، وَهَذَا عَيْنُ الِابْتِدَاعِ ، لِأَنَّهُ التَّشْرِيعُ بِغَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ . وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا يُؤْتُونَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ عُلَمَاؤُهُمْ أَفْتَى مَنْ لَيْسَ بِعَالَمٍ فَيُؤْتَى النَّاسُ مَنْ قِبَلِهِ ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْمَعْنَى بَسْطٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا الشُّحُّ ؛ فَإِنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِبِدْعَةِ الِاحْتِيَالِ عَلَى تَحْلِيلِ الْحَرَامِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَشُحُّونَ بِأَمْوَالِهِمْ فَلَا يَسْمَحُونَ بِتَصْرِيفِهَا فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ ؛ كَالْإِحْسَانِ بِالصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْإِيثَارِ