أَشَدُّ تَعَبًا عَنِ النَّفْسِ - لَذَّةً أَعْلَى مِنْ لَذَّةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ . . . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْ نَفْسِ الْمُتَنَاوَلِ ؛ كَوَضْعِ الْقَبُولِ فِي الْأَرْضِ ، وَتَرْفِيعِ الْمَنَازِلِ ، وَالتَّقَدُّمِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ فِي الْأُمُورِ الْعَظَائِمِ ، وَهِيَ أَيْضًا تَقْتَضِي لَذَّاتٍ تُسْتَصْغَرُ جَنْبَهَا لَذَّاتُ الدُّنْيَا .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ فَأَيْنَ هَذَا الْمَوْضُوعُ الْكَرِيمُ مِنَ الرَّبِّ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ ؟ !
فَمَنْ يَأْتِي مُتَعَبِّدًا - بِزَعْمِهِ - بِخِلَافِ مَا وَضَعَ الشَّارِعُ لَهُ مِنَ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ وَالْأَسْبَابِ الْمُوصِلَةِ إِلَى مَحَبَّتِهِ ، فَيَأْخُذُ بِالْأَشَقِّ وَالْأَصْعَبِ ، وَيَجْعَلُهُ هُوَ السُّلَّمَ الْمُوصِلَ وَالطَّرِيقَ الْأَخَصَّ ؛ هَلْ هَذَا كُلُّهُ إِلَّا غَايَةٌ فِي الْجَهَالَةِ ، وَتَلَفٌ فِي تِيهِ الضَّلَالَةِ ؟ عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ .
فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحِكَايَةٍ تَقْتَضِي تَشْدِيدًا عَلَى هَذَا السَّبِيلِ ، أَوْ يَظْهَرُ مِنْهَا تَنَطُّعٌ أَوْ تَكَلُّفٌ ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ يُعْتَبَرُ ؛ كَالسَّلَفِ الصَّالِحِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ وَلَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ لِبَادِيَ الرَّأْيِ - كَمَا تَقَدَّمَ - ؛ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي ؛ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْمُقْتَدِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَهَذِهِ خَمْسَةٌ فِي التَّشْدِيدِ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا سِوَاهَا .
[ فَصْلٌ أَصْلُ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ ]
فَصْلٌ
قَدْ يَكُونُ أَصْلُ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا ، وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ مِنْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 445
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٤٥