وَالثَّالِثُ ( 1 ) : لِأَنَّ الْحَرُورِيَّةَ جَرَّدُوا السُّيُوفَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ ، وَهُوَ غَايَةُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ ( 2 ) مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ شَائِعٌ ، وَسَائِرُهُمْ يُفْسِدُونَ بِوُجُوهٍ مِنْ إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .
وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ تَقْتَضِيهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا } ( 3 ) ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } ( 4 ) ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .
وَفِي الْحَدِيثِ : ( إِنَّ الْأُمَّةَ تَتَفَرَّقُ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ) ( 5 ) .
وَهَذَا التَّفْسِيرُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِمُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ( 6 ) أَيْضًا ، فَقَدْ وَافَقَ أَبَاهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ( 7 ) .
ثُمَّ فَسَّرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ( 8 ) أَنَّ ذَلِكَ بسبب الزيغ الحاصل فيهم ، وذلك قوله : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } ( 9 ) ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى آيَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي قَوْلِهِ : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } ( 10 ) الْآيَةَ .
فَإِنَّهُ ( 11 ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَدْخَلَ ( 12 ) الْحَرُورِيَّةُ في الآيتين بالمعنى ، وهو الزيغ
هامش
= ذكرها بلفظها ومن نفس الطريق الإمام ابن بطة في كتاب القدر من كتاب الإبانة الكبرى ( ص 339 - 440 ) ، ( وهو رسالة دكتوراه في جامعة أم القرى ، بتحقيق الدكتور عبد الله آدم الأثيوبي ) ، وروى قصته أيضاً مع عمر بن عبد العزيز عبد الله بن أحمد في السنة ( 2 / 429 ) .
( 1 ) يريد الوصف الثالث في آية البقرة والرعد ، وهو الفساد في الأرض .
( 2 ) في ( ر ) : " في كثير " .
( 3 ) سورة آل عمران : آية ( 105 ) .
( 4 ) سورة الأنعام : آية ( 159 ) .
( 5 ) تقدم تخريج حديث الافتراق وبيان صحته في المقدمة ( ص 12 ) ، وسوف يذكر المؤلف حديث الافتراق وبعض رواياته في الباب التاسع ( 2 / 189 ) من المطبوع . وقد جمع الشيخ سلمان العودة أحاديث الافتراق ودرس أسانيدها في كتابه " صفة الغرباء " ( ص 20 - 50 ) .
( 6 ) هو ابن سعد بن أبي وقاص . تقدم ذكره ( ص 99 ) .
( 7 ) انظر : الرواية الأولى التي ذكرها المؤلف ( ص 99 ) .
( 8 ) تقدمت هذه الرواية ( ص 99 ) .
( 9 ) سورة الصف : آية ( 5 ) .
( 10 ) سورة آل عمران : آية ( 7 ) .
( 11 ) في ( ر ) : " فكأنه " .
( 12 ) عبارة ( خ ) و ( ط ) : " فإنه أدخل رضي الله عنه . . . " .