والاختصاء ( 1 ) في الانقطاع للعبادة ، والاقتصار من المأكل أو الملبس ( 2 ) عَلَى صِنْفٍ دُونَ صِنْفٍ ( 3 ) مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ .
وَمِنْهَا : الْتِزَامُ الْكَيْفِيَّاتِ وَالْهَيْئَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ، كَالذِّكْرِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ ، وَاتِّخَاذُ يَوْمِ وِلَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدًا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : الْتِزَامُ الْعِبَادَاتِ الْمُعَيَّنَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يُوجَدْ لَهَا ذَلِكَ التَّعْيِينُ فِي الشَّرِيعَةِ ، كَالْتِزَامِ صِيَامِ يَوْمِ النِّصْفِ مِنْ شعبان وقيام ليلته .
وثم ( 4 ) أوجه أُخر ( 5 ) تُضَاهِي بِهَا الْبِدْعَةُ الْأُمُورَ الْمَشْرُوعَةَ ( 6 ) ، فَلَوْ كَانَتْ لَا تُضَاهِي الْأُمُورَ الْمَشْرُوعَةَ لَمْ تَكُنْ بِدْعَةً ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ إِنَّمَا يَخْتَرِعُهَا لِيُضَاهِيَ بِهَا السُّنَّةَ حَتَّى يَكُونَ مُلَبِّسًا بِهَا عَلَى الْغَيْرِ ، أَوْ تَكُونَ هِيَ مِمَّا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ بِالسُّنَّةِ ، إذ الإنسان لا يقصد الاستنان ( 7 ) بِأَمْرٍ لَا يُشَابِهُ الْمَشْرُوعَ ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ لَا يَسْتَجْلِبُ بِهِ فِي ذَلِكَ الِابْتِدَاعِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا ، وَلَا يُجِيبُهُ غَيْرُهُ إِلَيْهِ .
وَلِذَلِكَ تَجِدُ الْمُبْتَدِعَ يَنْتَصِرُ لِبِدْعَتِهِ بِأُمُورٍ تُخَيِّلُ التَّشْرِيعَ ، وَلَوْ بِدَعْوَى الِاقْتِدَاءِ بِفُلَانٍ الْمَعْرُوفِ مَنْصِبُهُ فِي أَهْلِ الْخَيْرِ .
فَأَنْتَ تَرَى الْعَرَبَ الْجَاهِلِيَّةَ فِي تَغْيِيرِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كيف تأوّلوا - فيما أحدثوه - احتجاجاً منهم له ( 8 ) ؛ كَقَوْلِهِمْ فِي أَصْلِ الْإِشْرَاكِ : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( 9 ) ، وكترك الحمس ( 10 ) الوقوف بعرفة
هامش
( 1 ) المثبت هو ما في ( غ ) و ( ر ) ، وفي بقية النسخ : " الاختصاص " ، والمثبت هو الصواب .
( 2 ) في ( ط ) : " من المأكل والملبس " .
( 3 ) في ( غ ) و ( ر ) : " غيره " .
( 4 ) في ( ر ) : " ثم " دون الواو .
( 5 ) زيادة في ( غ ) .
( 6 ) في ( غ ) : " الشرعية " .
( 7 ) المثبت هو ما في ( غ ) و ( ر ) ، وفي م ( الاستناع ) وفي بقية النسخ ( الاستتباع ) .
( 8 ) ساقطة من جميع النسخ عدا ( غ ) .
( 9 ) سورة الزمر ، آية ( 3 ) .
( 10 ) في ( م ) و ( خ ) : " الحسن " ، وكتب في هامش ( خ ) : " الحمس " ، كما كتب في هامش ( م ) : " الحمس وهم قريش ومن تبعهم " .