وَبُسِطَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ هُنَالِكَ ( 1 ) .
فَمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ، إِذْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَالْمُتَكَرِّرَةِ فِي أَوْقَاتٍ شَتَّى ، وَبِحَسَبِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَأَنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ مَذْمُومَةٌ .
وَلَمْ يَأْتِ فِي آيَةٍ وَلَا حَدِيثٍ تَقْيِيدٌ وَلَا تَخْصِيصٌ ، وَلَا مَا يُفْهَمُ مِنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكُلِّيَّةِ فِيهَا . فَدَلَّ ذَلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً على أنها على عمومها وإطلاقها .
والثالث : إِجْمَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ عَلَى ذَمِّهَا كَذَلِكَ ( 2 ) ، وَتَقْبِيحِهَا وَالْهُرُوبِ عَنْهَا ، وَعَمَّنِ اتَّسَمَ ( 3 ) بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ تَوَقُّفٌ وَلَا مَثْنَوِيَّةٌ ( 4 ) . فَهُوَ - بِحَسَبِ الِاسْتِقْرَاءِ - إِجْمَاعٌ ثَابِتٌ ، فَدَلَّ ( 5 ) عَلَى أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ لَيْسَتْ بِحَقٍّ ، بَلْ هِيَ مِنَ الْبَاطِلِ .
والرابع : أَنَّ ( 6 ) مُتَعَقِّلَ الْبِدْعَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مُضَادَّةِ الشَّارِعِ ، وَاطِّرَاحِ الشَّرْعِ . وَكُلُّ مَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمُحَالٌ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يُمْدَحُ وَمِنْهُ مَا يُذَمُّ ، إِذْ لَا يَصِحُّ فِي مَعْقُولٍ وَلَا مَنْقُولٍ اسْتِحْسَانُ مُشَاقَّةِ الشَّارِعِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي ( 7 ) .
وَأَيْضًا فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ جَاءَ فِي النَّقْلِ اسْتِحْسَانُ بَعْضِ الْبِدَعِ ، أَوِ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِهَا عَنِ الذَّمِّ لَمْ يُتَصَوَّرْ ، لِأَنَّ الْبِدْعَةَ طَرِيقَةٌ تضاهي المشروعة ( 8 ) من غير
هامش
( 1 ) تناول المؤلف هذه المسألة في كتاب الموافقات ، ضمن مسائل العموم والخصوص وقد ذكر من أمثلتها الآية التي ذكرها هنا وهي قوله تعالى : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : " لا ضرر ولا ضرار " إلى غير ذلك ( 3 / 306 ) .
( 2 ) ساقطة من ( ت ) .
( 3 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " ارتسم " .
( 4 ) في ( غ ) : " ثنوية " .
( 5 ) في ( ر ) : " يدل " .
( 6 ) كتبت في ( ت ) فوق السطر .
( 7 ) وذلك عند ذكر ما يدل على ذم البدع من النظر . ( ص 67 - 69 ) .
( 8 ) أي تضاهي الطريقة المشروعة .