وَإِذَا جَاءَهُمْ بِآيَةٍ خَارِقَةٍ افْتَرَقُوا فِي الضَّلَالَةِ عَلَى فِرَقٍ ، وَاخْتَرَقُوا ( 1 ) فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعِنَادِ مَا لَا يَقْبَلُهُ أَهْلُ التَّهَدِّي إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، كُلُّ ذَلِكَ دُعَاءٌ مِنْهُمْ إِلَى التَّأَسِّي بِهِمْ وَالْمُوَافَقَةِ لَهُمْ عَلَى مَا يَنْتَحِلُونَ ، إِذْ ( 2 ) رَأَوْا خِلَافَ الْمُخَالِفِ لَهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ رَدًّا لِمَا هُمْ عَلَيْهِ ، وَنَبْذًا لِمَا شَدُّوا عَلَيْهِ يَدَ الظِّنَّة ( 3 ) ، وَاعْتَقَدُوا إِذْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِدَلِيلٍ أَنَّ الْخِلَافَ يُوهِنُ الثِّقَةَ ، وَيُقَبِّحُ جِهَةَ الِاسْتِحْسَانِ ، وَخُصُوصًا حِينَ اجْتَهَدُوا فِي الِانْتِصَارِ بِعِلْمٍ ، فَلَمْ يَجِدُوا أَكْثَرَ مِنْ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ .
وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ( 4 ) إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مُحَاجَّةِ قَوْمِهِ :
{ مَا تَعْبُدُونَ ( 70 ) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ( 71 ) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } ( 5 ) ، فَحَادُوا كَمَا تَرَى عَنِ الْجَوَابِ الْقَاطِعِ الْمُورَدِ مَوْرِدَ السُّؤَالِ إِلَى الِاسْتِمْسَاكِ بِتَقْلِيدِ الْآبَاءِ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * } ( 6 ) ، فَرَجَعُوا عَنْ جَوَابِ مَا أُلْزِمُوا إِلَى التَّقْلِيدِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ } ( 7 ) ، فَأَجَابُوا بِمُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ ، رُكُونًا إِلَى مَا ذَكَرُوا مِنَ التَّقْلِيدِ ، لَا بِجَوَابِ السُّؤَالِ .
فَكَذَلِكَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْكَرُوا مَا تَوَقَّعُوا مَعَهُ زَوَالَ مَا بِأَيْدِيهِمْ ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مُعْتَادِهِمْ ، وَأَتَى بِخِلَافِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ ، حَتَّى أَرَادُوا أَنْ يستزلوه ( 8 ) عَلَى وَجْهِ السِّيَاسَةِ فِي زَعْمِهِمْ ، لِيُوقِعُوا بَيْنَهُمْ
هامش
( 1 ) التخرّق لغة : في التخلق من الكذب ، وخرق الكذب اختلقه . لسان العرب ( 11 / 361 ) ، الصحاح ( 4 / 1467 ) .
( 2 ) في ( م ) و ( ت ) : " إذا " .
( 3 ) الظنّة : التهمة ، والجمع الظنن . الصحاح للجوهري ( 6 / 2160 ) .
( 4 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " على " .
( 5 ) سورة الشعراء ، آية ( 70 - 74 ) .
( 6 ) سورة الزخرف ، آية ( 21 ) .
( 7 ) سورة الزخرف ، آية ( 24 ) .
( 8 ) في ( م ) و ( ت ) " يستنزلوا " .