تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأزمنة والأمكنة — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
وقال أبو كثير :
حتّى رأيتهم كأنّ سحابة * صابت عليهم لم يشمل ودقها
وقال آخر من هذيل :
مرتها النّعامى ولم تعترف * خلاف النّعامى من الشّام ريحا
النّعامى : الجنوب ، ومرتها : استخرجت مطرها ، ومن الشّام : يريد الشّمال ، فهذه كلَّها تجعل العمل في المطر للجنوب ، وتجعل الشّمال يقشع السّحاب ، ويسمّونها محوة ، لأنّها تمحو السّحاب . قال العجّاج :
سغر الشّمال الزّبرج المزبرجا * قد بكرت محوة بالعجاج فدمّرت بقية الزّجاج
السّغر : القشر ، والزّبرج : السّحاب . وكان الأصمعي يحكي عن العرب : أنّ ما كان من أرض الحجازة فالجنوب هي التي تمري السّحاب فيه والشّمال تقشعه . وما كان من أرض العراق ، فالشّمال تمري فيه السّحاب ويؤلفه ، ولم يقل إنّ الجنوب تقشعه ، ولا أنّه لا عمل لها فيه . قال : وأحسبه أراد أنّ الشّمال والجنوب تفعلان ذلك جميعا بأرض العراق دون الحجاز ، وعلى هذا وجدت بعض الشّعراء . قال الكميت ، وكان ينزل الكوفة :
مرته الجنوب فلمّا اكفهرّ * حلَّت عزاليه الشّمال
فجعل الجنوب تستدرّه والشّمال تحلَّه . وقال عدي وكان ينزل الحيرة وينتقل في أرض العراق : وجئ بعد الهدو يزجيه شمال كما يزجي الكسير فاستدرّت به الجنوب على الحرير ، فالجنوب سيره مقصور ، يريد لثقله وجعل الشّمال تسوقه والجنوب تستدرّه ، لأنّ الجنوب عند أهل الحجاز وما يليه هي التي تأتي بالغيث حتّى جعلوها مثلا للخير . قال حميد :
ليالي أبصار الغواني وسيرها * إليّ وإذ ريحي لهنّ جنوب
وعلى حسب تيمّنهم بالجنوب وتصييرهم إيّاها مثلا للخير ، تشاؤمهم بالشّمال وتصييرهم إيّاها مثلا للشر . قال أبو وجزة يذكر امرأة :
مجنوبة الأنس مشمول مواعدها