ثم أطنب في الشكر والثناء على أمير المؤمنين وطوى الكتاب وختمه ودعا بالنخاسين وقال : تجهزوا للسفر بهؤلاء الجواري لأمير المؤمنين اه - ؟ .
فقال أحد النخاسين : أيد الله الأمير : إني رجل كبير وضعيف عن السفر ولي ولد ينوب عني فتأذن لي أن أجهزه ؟ قال : نعم .
فتجهزوا وخرجوا ففي بعض مسيرهم نزلوا ليستريحوا في بعض الأماكن فنامت الجواري فهبت ريح فانكشفت إحداهن . وهي الكوفية فظهر نور ساطع وكان اسمها مكتوم ، فنظر إليها ابن النخاس ، وكان شاباً جميلاً ففتن بها لساعته ، فأتاها على غفلة من أصحابه وجعل يقول :
أمكتوم عيني لا تمل من البكا . . . وقلبي بأسهام الأسى يترشق
أمكتوم ! كم من عاشق قتل الهوى . . . وقلبي رهين كيف لا أتعشق ؟
فأجابته تقول :
لو كان حقاً ما تقول لزرتنا . . . ليلاً ، إذا هجعت عيون الحسد
فلما جن الليل ، انقض ابن النخاس بسيفه وأتى نحو الجارية فوجدها قائمة تنتظر قدومه ، فأخذها وأراد الهرب بها ففطن به أصحابه فأخذوه وكتفوه وأوثقوه بالحديد ولم يزل مأسوراً معهم إلى أن قدموا على عبد الملك .
فلما قدموا بالجواري بين يديه ، أخذ الكتاب وفتحه وقرأه فوجد الصفة موافقة في اثنتين ولم توافق في الثالثة ، ورأى بوجهها صفرة ، وهي الجارية الكوفية ، فقال للنخاسين : ما بال هذه الجارية لم توافق الصفة التي ذكرها الحجاج في كتابه ، وما هذا الإصفرار الذي بها ، وهذا النحول ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين ، نقول وعلينا الأمان .
قال : إن صدقتم أمنتم ؛ وإن كذبتم هلكتم .
فخرج أحد النخاسين وأتى بالفتى ، وهو مصفد بالحديد ، فلما قدموه بين يدي أمير المؤمنين وأخبروه بما فعل بكى بكاء شديداً وأيقن بالعذاب ثم أنشأ يقول :
أمير المؤمنين أتيت رغماً . . . وقد شدت إلى عنقي يديا
مقراً بالقبيح وسوء فعلي . . . ولست بما رميت به بريا
فإن تقتل ففوق القتل ذنبي . . . وإن تعف فمن جودٍ عليا
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 41
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٤١