فأمر خالد بحبسه وأمر منادياً ينادي في البصرة : ألا من أحب أن ينظر إلى عقوبة فلان اللص وقطع يده فليحضر من الغد .
فلما استقر الفتى في الحبس ووضع في رجليه الحديد تنفس الصعداء ، ثم أنشأ يقول :
هددني خالد بقطع يدي . . . إن لم أبح عنده بقصتها
فقلت : هيهات أن أبوح بما . . . تضمن القلب من محبتها
قطع يدي بالذي اعترفت به . . . أهون للقلب من فضيحتها
فسمعه الموكلون به فأتوا خالداً وأخبروه بذلك ، فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده ، فلما حضر استنطقه فرآه أديباً عاقلاً لبيباً ظريفاً فأعجب به فأمر له بطعام فأكلا وتحادثا ساعة . ثم قال له خالد : قد علمت أن لك قصة غير السرقة ، فإذا كان غداً وحضر الناس والقضاة وسألتك عن السرقة فأنكرها واذكر فيها شبهاتٍ تدرأ عنك القطع . فقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ادرءوا الحدود بالشبهات " .
ثم أمر به إلى السجن ، فلما أصبح الناس لم يبق بالبصرة رجل ولا امرأة إلا حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى ، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم ، ثم دعا بالقضاة وأمر بإحضار الفتى ، فأقبل يحجل في قيوده ، ولم يبق أحد من النساء إلا بكى عليه وارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب ، فأمر بتسكيت الناس ، ثم قال له خالد : إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فما تقول ؟ قال : صدقوا أيها الأمير ، دخلت دارهم وسرقت مالهم .
قال خالد : لعلك سرقت دون النصاب .
قال : بل سرقت نصاباً كاملاً .
قال : فلعلك سرقته من غير حرز مثله . ؟ قال : بل من حرز مثله .
قال : فلعلك شريك القوم في شيء منه ؟ قال : بل هو جميعه لهم لا حق لي فيه .
فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط . وقال متمثلاً بهذا البيت :
يريد المرء أن يعطى مناه . . . ويأبى الله إلا ما أرادا
ثم دعا بالجلاد ليقطع يده . فحضر وأخرج السكين ، ومد يده ووضع عليها السكين ، فبرزت جارية من صف النساء عليها آثار وسخ ، فصرخت ورمت بنفسها عليه ، ثم أسفرت عن وجه كأنه البدر وارتفع للناس ضجة عظيمة كاد أن تقع منه فتنة ، ثم نادت
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 37
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٣٧