فضحك المأمون حتى استلقى على فراشه ، ثم ضرب برجله الأرض من شدة إعجابه وقال : ثم ماذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين فخرجت فإذا هو صاحب الخان يطالبني بالكراء ، فوعدته بأن يرجع إلي مرة أخرى ، فمضى ومضيت على وجهي لا أعلم أين أتوجه ، فسألت كل من لقيته من صديق لي كنت أستأنس به فخطر على بالي بيتان من الشعر في ذلك وهما .
غريب الدار ليس له صديقٌ . . . جميع سؤاله : أين الطريق ؟
تعلق بالسؤال لكل شخصٍ . . . كما يتعلق الرجل الغريق
فأشرفت يا أمير المؤمنين علي جارية كأنها البدر ليلة كماله ، وهي تقول :
ترفق يا غريب فكل حر . . . يمر بحاله سعةٌ وضيق
وكل ملمةٍ إن أنت فيها . . . صبرت لها أتيح لها طريق
ثم قالت : خذ هذه فادفع بها فاقتك ، فوالله ما هي إلا مؤاساة من قوت ، ورمت إلى صدري بقرطاس ، وإذا فيه عشرة دراهم ، فرجعت من فوري ، فوجدت صاحب الكراء قائماً على الباب ، فدفعت إليه خمسة دراهم ، واستعنت بالباقي إلى أن وقعت هذه القصة ، وهذا الأمر الذي كلفني وحملني على ما فعلت وأنشأ يقول :
لم آتِ فعلاً غير مستحسن . . . جهلاً بفعل الأحسن الأملح
لكنني في حالة أوجبت . . . ضرورة إتيان مستقبح
فأعجب المأمون أمره واستحسنه وأمر له بمائة ألف درهم يصلح بها شأنه وألحقه بمراتب الخاصة ، ورفعت منزلته ، وصار أقرب الناس إليه ، وآخر خارج من عنده وأول داخل إليه ، وسمي طفيلي المعتصم ، وأنشد للمأمون يوماً يقول :
كانت لقلبي أهواء مفرقة . . . فاستجمعت مذ رأتك العين أهوالي
تركت للناس دنياهم ودينهم . . . شغلاً بذكرك عن ديني ودنيائي
وصار يحسدني من كنت أحسده . . . وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
فاستحسن المأمون الأبيات ، وأمر بكتبها على الستارة ، وصار الفتى إذا حضر يوم سرور المأمون لم يكن للمأمون هم إلا اقتراح هذه الأبيات إلى أن ينقضي المجلس ، ثم إن الفتى بعد أن حسنت حالته ، أرسل إلى الدار التي أشرفت عليه منها الجارية ، فإذا هي
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 221
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٢٢١