قد أقبلت على بغلة وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار ، ونزلت على دكاني وجلست وقالت : أنت علي بن محمد الجوهري .
فقلت لها : مملوكك وعبد رقك .
فقالت : هل عندك عقد جوهر يصلح لمثلي ؟ فقلت : يا ستي الذي عندي يحضر بين يديك ، فإن أعجبك شيء كان بسعد المملوك ، وإن لم يعجبك شيء منه فبسوء حظي .
وكان عندي مائة عقد جوهر فعرضت عليها الجميع فلم يعجبها شيء منها ، وقالت : أريد أحسن مما رأيت ؛ وكان عندي عقد صغير شراؤه على والدي بمائة ألف دينار لم يوجد مثله عند أحد السلاطين الكبار ، فقلت : يا سيدتي بقي عندي عقد الفصوص والجواهر الذي لم يملكه أحد من الأصاغر والأكابر .
فقالت : أرني إياه .
فلما رأته قالت : هذا الذي طول عمري أتمناه . ثم قالت : بكم ثمنه في الأسعار ؟ فقلت : شراؤه على والدي بمائة ألف دينار .
فقالت : ولك خمسة آلاف زائدة .
فقلت لها : يا سيدتي العقد وصاحبه في الرق بين يديك ، ولا خلاف .
فقالت : لا بد من الفائدة ولك الجميلة الزائدة .
وقامت من وقتها عجلة وركبت البغلة بسرعة ، وقالت : يا سيدي نور الدين ، باسم الله فلتكن في صحبتنا لتأخذ الثمن ، فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن .
فقمت وأقفلت الدكان وسرت معهن في أمان إلى أن وصلنا إلى الدار ، فوجدتها داراً عليها السعادة لائحة والافتخار وعلى بابها مكتوب بالذهب واللازورد العجيب هذه الأبيات :
ألا يا دار لا يدخلك حزنٌ . . . ولا يغدر بصاحبك الزمان
فنعم الدار أنت لك ضيفٍ . . . إذا ما ضاق بالضيف المكان
فنزلت الجارية ، ودخلت الدار وأمرت بجلوسي إلى أن يأتي الصيرفي ، فجلست على باب الدار ساعة لطيفة ، وإذا بجارية خرجت إلي وقالت : يا سيدي ادخل إلى الدهليز فإن جلوسك على الباب قبيح .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 143
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص١٤٣