ووجه سقوطه أنه وإن كان محصلا لغرض دنيوي لما فيه ، رفعه المحل ، ونباهة القدر ، ونبالة الذكر لكنه عند التحقيق لأسباب هي غير ذلك الشخص ، فإنه لو فتش عن قلوب المحبين له في الظاهر لوجدها في الحقيقة محبة لماله أو جماله ، أو سائر الأغراض الدنيوية المتعلقة به ، يزول بزوالها مع بقاء ذاته ، فإنه إذا كان محبوبا لأجل إنفاقه على إخوانه ومعارفه زالت تلك المحبة [ 5 أ ] بمجرد ذلك الإنفاق ( 1 ) ، وانقلبت المحبة عداوة ،
هامش
( 1 ) قال الحريري : " تعامل الناس في القرن الأول بالدين حتى رق الدين وتعاملوا في القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء ، وفي الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة ولم يبق إلا الرغبة والرهبة " .
" الإحياء " ( 2 / 179 ) .
* قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : " أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم ، وإنا في زمان الدينار والدرهم أحب إلينا من أخينا المسلم " .
لذلك عليم أن تحسن اختيار - الأخ - لأن ذلك أصبح جوهرة مفقودة فهنيئا لمن كان له أخ في الله .
* قال علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاة قال : " يا بني ! إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن صحبته زانك ، وإن قعدت بك مؤونة مالك . وإن رأى منك حسنة عدها وإن رأى سيئة سدها ، اصحب من إذا سألته أعطاك ، وإن سكت ابتداك ، وإن نزلت بك نازلة واساك ، اصحب من إن قلت صدق قولك ، وإن حاولتما أمرا أمرك وإن تنازعتما آثرك .
وللمؤمن حق على أخيه المؤمن :
1 - ) : الحق في المال : قال تعالى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الحشر : 9 ] .
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حقت محبتي للمتباذلين في " . تقدم تخريجه . والمواساة بالمال على ثلاث مراتب :
1 - أن تقوم بحاجته من فضلة مالك فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حقه .
2 - أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال .
رأى بعض الحكماء رجلين يصطحبان لا يفترقان ، فسأل عنهما فقيل : هما صديقان . فقال : ما بال أحدهما فقير والآخر غني ؟ .
3 - وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين .
2 - ) : وعليه إطعام الإخوان وكسوتهم :
قال أبو سليمان الداراني : " لو أن الدنيا كلها لي في لقمة ، ثم جاءني أخ لأحببت أن أضعها في فمه " .
" كتاب الإخوان " ( ص 235 ) .
وقال : إني لألقم اللقمة أخا من أخواني فأجد طعمها في حلقي " .
" الإحياء " ( 2 / 190 ) .
3 - ) : أن يعينه بالنفس والبدن في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال ، وتقديمها على الحاجات الخاصة .
قال بعضهم : إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسي ، فإذا لم يقضها فكبر عليه واقرأ هذه الآية : { وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ } [ الأنعام : 36 ] .
" كتاب الإخوان " ( ص 240 - 248 ) .
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " .
أخرجه البخاري رقم ( 2442 ) ومسلم رقم ( 2580 ) وأبو داود رقم ( 4893 ) والترمذي رقم ( 1426 ) من حديث ابن عمر .
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " .
أخرجه البخاري رقم ( 6064 ) ومسلم رقم ( 2563 ، 2564 ) وأبو داود رقم ( 4917 ) والترمذي رقم ( 1988 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " . تقدم تخريجه .
4 - ) : أن يتودد إليه بلسانه ، ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقده فيها منها :
1 - أن يخبر بمحبته له .
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه " .
2 - أن تدعوه بأحب الأسماء إليه في غيبته وحضوره .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ثلاث يصفين لك ود أخيك : أن تسلم عليه إذا لقيته أولا ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحب الأسماء إليه .
3 - أن تثني عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء عنده .
4 - أن تشكره على صنيعه في حقك .
5 - عليك الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء أو تعرض عرضه بكلام صريح أو تعريض .
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " .
أخرجه الترمذي رقم ( 1931 ) من حديث أبي الدرداء وهو حديث صحيح .
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه " . من حديث أبي هريرة . أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2564 ) .
6 - التعليم والنصيحة :
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " تقدم تخريجه .
قال الشافعي رحمه الله : " من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه . . . " .
5 - ) : من حقه عليك : أن تعفو عن زلاته وهفواته :
قال الأحنف : حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا : ظلم الغضب وظلم الدالة ، وظلم الهفوة وقد قليل :
واغفر عوراء الكريم ادخاره . . . وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
6 ) : أن تدعو له في حياته وبعد مماته :
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذ دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل " .
وقال أبو الدرداء : إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم .
" الإحياء " ( 2 / 202 ) .
قال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي : قال لي أحمد بن حنبل : أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحرا .
انظر " سير أعلام النبلاء " ( 11 / 127 ) .
وروى الخطيب البغدادي في " تاريخه " ( 9 / 361 ) في ترجمة الطيب إسماعيل أبي حمدون أحد القراء المشهورين قال : " كان لأبي حمدون صحيفة فيها مكتوب ثلاثمائة من أصدقائه ، وكان يدعو لهم كل ليلة ، فتركهم ليلة فنام ، فقيل له في نومه : يا أبا حمدون : لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة ، قال : فقعد فأسرج وأخذ الصحيفة فدعى لواحد واحد حتى فرغ
7 - ) : من حقه عليك الوفاء والإخلاص :
1 - الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه .
2 - ومن الوفاء مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه .
3 - أن لا يصادق عدو صديقه .
4 - أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه .
قال الشاعر :
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا . . . من كان يألفهم في المنزل الخشن
5 - ومن الوفاء أن تجزع من المفارقة :
وقد قيل :
وجدت مصيبات الزمان جميعها . . . سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
قال الغزالي في " الإحياء " ( 2 / 204 ) : " اعلم أن ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين ، بل الوفاء لله المخالفة ، فقد كان الشافعي رحمه الله آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه ويقول ما يقيمني بمصر غيره ، فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله فقال :
مرض الحبيب فعدته . . . فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني . . . فبرئت من نظري إليه
6 - ومن الوفاء أن تحسن الظن بأخيك .
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [ الحجرات : 12 ] .
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " تقدم تخريجه .
8 - التخفيف وترك التكلف والتكليف :
قال الفضيل : إنما تقاطع الناس بالتكلف ، يزور أحدهما أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه ، وقالوا : من سقطت كلفته دامت ألفته ومن خفت مؤنته دامت مودته .