الصحيحين ( 1 ) وغيرهما ( 2 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، والصوم جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم ! ، والذي نفس محمد بيده ؛ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه " .
قلت : قد أجاب أهل العلم عن معنى قوله عز وجل : " الصوم لي وأنا أجزي به " بأجوبة كثيرة منها ما أجاب سفيان بن عيينة فقال ( 3 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 1904 ) ومسلم رقم ( 3 ) وقد تقدم .
( 2 ) كأبي داود رقم ( 2363 ) والنسائي ( 4 / 163 ) وابن ماجة رقم ( 1638 ) .
( 3 ) ذكره الحافظ في " الفتح " ( 4 / 107 ) .
قال القرطبي في " المفهم " ( 3 / 212 - 213 ) قوله : " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي " اختلف في معنى هذا على أقوال :
1 - أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها ، فيكون لهم ، إلا الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص ، لأن حال الممسك شبعا كحال الممسك تقربا ، وارتضاه المازري .
2 - أن أعمال بني آدم كلها لهم فيها حظ إلا الصيام فإنهم لاحظ لهم فيه . قاله الخطابي .
3 - أن أعمالهم هي أوصافهم ، ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام ، فإنه استغناء عن الطعام ، وذلك من خواص أوصاف الحق سبحانه وتعالى .
4 - أن أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفا كما قال : " بيتي وعبادي " .
5 - أن أعمالهم يقتص منها يوم القيامة فيما عليهم إلا الصيام فإنه لله تعالى ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذ منه شيئا . قال ابن العربي .
وقد كنت استحسنته إلى أن فكرت في حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها . فإنه قال فيه : " هل تدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . فقال : المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وضرب هذا ، وسفك دم هذا ، فيأخذ هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ، ثم طرح في النار " .
- أخرجه مسلم رقم ( 2581 ) وأحمد ( 2 / 303 ) - وهذا يدل على أن الصوم يؤخذ كسائر الأعمال .
6 - أن الأعمال كلها ظاهرة للملائكة ، فتكتبها إلا الصوم ، وإنما هو نية وإمساك فالله تعالى يعلمه ، ويتولى جزاءه . قاله أبو عبيد .
7 - أن الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها وتضعيفها إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير ، ويشهد لهذا مساق الرواية الأخرى التي فيها : " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " يعني : - والله تعالى أعلم - أنه يجازي عليه جزاء كثيرا من غير أن يعين مقداره ، ولا تضعيفه ، وهذا كما قال الله تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين . وهذا ظاهر قول الحسن ، غير أنه قد تقدم ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة ، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وصيام رمضان صيام الدهر . وهذه النصوص في إظهار التضعيف ، فبعد هذا الوجه بل بطل . والأولى حمل الحديث على أحد الأوجه الخمسة المتقدمة .
انظر : " فتح الباري " ( 4 / 108 - 109 ) .