تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4443

مساهمون:

ص٤٤٤٣
ماله . وأما إذا لم يكن قد تبين فقره وإعساره عن تسليم ما عليه ، ولكنه يدعي ذلك وخصمه يخالفه وينكر ، فإن كان حضوره إلى القاضي ، ووقوفه مع خصمه لديه ممكنًا بدون إرسال الأعوان عليه فلا يحل الإرسال عليه ، بل على الحاكم أن يطلب منه البرهان على دعواه ، فإن جاء به أنظره إلى ميسرة ، وإن عجز عنه أو جاء غريمه بما يفيد إيساره ألزمه بالتسليم ، فإن امتنع مع ذلك كان الكلام فيه كالكلام في الموسر الذي امتنع من التخلص مما عليه ، وقد تقدم . وأما حبس الملتبس حاله فقد اختلف [ 2 أ ] أهل العلم في ذلك ، فسوغ بعضهم حبسه حتى يتضح الأمر . وقال آخرون : إنه لا يحل حبسه ، بل يجب العمل على ما ينتهي إليه الحال . وعندي أن هذا محل نظر للحاكم ، فإن ذلك يختلف باختلاف الناس ، فمنهم من يكون في حبسه مصلحة تظهر عندها أنه ممكن من التخلص ، وأن دعواه التي ادعاها لا حقيقة لها ، ولا صحة ، وأنه إنما فعل ذلك فرارًا من الحق ، ومراوغة وبعدًا عن الإنصاف ، ومنهم من يكون عرضه أعز عليه من ماله ، وهم أهل التستر والحياء والمروءة ، وكذلك أرباب الديانة الذين يغلب على الظن أنهم لا يدعون الإعسار إلا عند الضرورة ، فمن كان من هؤلاء فلا يحل حبسه ، ولا إنزال نوع من أنواع الهوان به ، بل ينتظر ما يصح من أمره ، وينتهي من حاله ، ولا مسوغ لحبس ولا غيره ؛ فإنه لم يتبين أنه واجد حتى يكون مطله ظلمًا يحل عرضه وعقوبته ، ولا تهمة تحصل في بطلان دعواه كما يحصل في بطلان دعوى الأول ، حتى يكون ذلك مسوغًا لحبسه . وقد حبس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في التهمة ( 1 ) . ولا فرق بين تهمة وتهمة ، فإن قلت : إذا كان الحبس
هامش
( 1 ) في حاشية المخطوط : رواه في الغيث ( أ ) والبحر ( ب ) . وهو حديث لا يصح ( ج ) كما نبه عليه شيخ الإسلام ابن حجر ( د ) وغيره من شراح الحديث ، فعلى المجيب - كثر الله فوائده - التصحيح . الحديث رواه أبو داود ( ه - ) والترمذي ( و ) والنسائي ( ز ) من حديث بهز بن حكيم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " حبس رجلاً في تهمة " زاد النسائي ( ز ) ثم خلى عنه . وكذا الترمذي ( ح ) وقال : حسن ورواه أيضًا الحاكم ( ط ) . وقال صحيح الإسناد . وله شاهد من حديث أبي هريرة ( ي ) انتهى . فهذان إمامان من أئمة الحديث حسنه أحدهما وصححه الآخر ، ولعل ما ذكره الكاتب عن الحافظ ابن حجر في الحديث ، وهو من جهة بهز بن حكيم ( ك ) وهو لا يصح بحديثه عند الكثير ، وقد ( ل ) جماعة كما ذكره الحافظ وأما ( ل ) ( أ ) : تقدم التعريف به . ( ب ) : انظر " البحر الزخار " ( 5 / 89 ، 113 ) . ( ج ) : بل هو حديث حسن . ( د ) : انظر " تهذيب التهذيب " ( 1 / 251 ) . ( ه - ) : في " السنن " رقم ( 3630 ) . ( و ) : في " السنن " رقم ( 1417 ) . ( ز ) : في " السنن " رقم ( 8 / 66 - 67 ) . ( ح ) : في " السنن " رقم ( 4 / 28 ) . ( ط ) : في " المستدرك " ( 4 / 102 ) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ( ي ) : أخرجه الحاكم في " المستدرك " ( 4 / 102 ) . ( ك ) : بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة أبو عبد الملك القشيري . قال أبو حاتم : هو شيخ يكتب حديثه ، ولا يحتج به . قال النسائي : ثقة . قال ابن حبان : كان يخطئ كثيرًا . قال ابن عدي : قد روى عنه ثقات الناس ، وقد روى عنه الزهري وأرجو أنه لا بأس وبه ولم أر له حديثًا منكرًا . وقال ابن معين ثقة . انظر " تهذيب التهذيب " ( 1 / 251 - 252 ) . وخلاصة القول أن الحديث حسن والله أعلم . ( ل ) : غير واضحة في حاشية المخطوط . ولفظ الحديث : " أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حبس رجلاً في تهمة ساعة من نهار ثم خلى سبيله " .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4443 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق