تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4397

مساهمون:

ص٤٣٩٧
للنظر في الأدلة إلا وهو متوسع في العلوم النافعة ، ويعتقد أنه بلغ إلى رتبة لم يبلغها غيره مع إقامته الدليل على ما ادعاه من تأليفه لمسائل ، وتقريره لمباحث ، وتحريره لأنظار ونحو ذلك مما يدل البعض فيه على الكل ، ولا يشترط في إقامة الدليل على دعواه أن يكون بتصنيف الكتب الكبار ، أو بتأليف الرسائل المتعددة ، وربما كان ميل بعضهم إلى الخمول ، أو عدم الرغوب إلى التأليف فلا يشتهر كاشتهار غيره . وفضل الله تعالى ليس مختصًا بواحد بعينه حتى لا يتجاوزه إلى غيره ، ولا يشار بالبيان إلا إليه ، ولا تؤخذ أحكام الله إلا منه . وأما تقسيم المجتهد إلى ما ذكره المجيب - كثر الله فوائده - فهو غريب ، وقد أكثر العلامة الجلال في مؤلفاته من تقرير أن العامل بنصوص الأدلة ليس بمقلد ولا مجتهد ، قال : وهو الذي كان عليه عامة الصحابة والصدر الأول . وهذا الكلام موافق لما ذهبتم إليه من حيث المعنى ، ولكن الجلال لم يجعل العامل كذلك مجتهدًا ولا سيما العمل بالنصوص اجتهادًا ، وذلك لأن الاجتهاد هو استفراغ الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي ، فالعامل بالنصوص ليس بمستفرغ [ 5 أ ] للوسع في ذلك ، وكذلك العمل بالأدلة القطعية ليس باجتهاد ، بل الاجتهاد أمر خاص فيما تعارضت فيه الأدلة ، أو لم يوجد دليل على المطلوب بخصوصه أو نحو ذلك . ثم غير خاف عليكم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قد نصب قضاة ، وكان في الصحابة من هو أعلم منهم ، وقد حكم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بأن أمير المؤمنين عليًا - رضي الله عنه - ( أقضى الصحابة ) وقد قامت الأدلة أنه أعلم الناس بعد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - . ومع هذا فلم تكن أحكام القضاة الآخرين مع وجوده غير صحيحة ولا متوقفة على اجتهاده ، بل مع وجود النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الذي هو أعلم الناس أجمعين ، ولولا أن ذلك ظاهر للعالم بالأخبار لوسعنا البحث فيه ، وأطلنا ذيوله ، ولكن الإشارة كافية في ذلك ، وبذلك يندفع ما قرره المجيب - عافاه الله - في آخر البحث . فقال - أبقاه الله - : إنه لا يحل لأحد أن يقوم في مقام الإرشاد للعباد مع وجود من