تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3822

مساهمون:

ص٣٨٢٢
صحةُ ما ذكره الشرفي - عافاه الله - من معاصرة القاضي الإمام . قوله : قال في المقصد الحسن : وإجراءُ المحاجرِ مجرى الأملاك . . . إلخ . أقول : اعلم أن رسالتنا في الحدود الموضوعةِ بين قريتينِ أو أكْثَرَ بحيثُ يكون المستحقُّ من الكلأ والماء لأهل هذه القرية إلى مكان معلوم ، ولأهل القرية الأخرى إلى مكانٍ كذلك لا يتعدّى هؤلاء إلى حدِّ هؤلاء ، ولا هؤلاء إلى حدِّ هؤلاء . وأما المحاجرُ فهي في العُرْف غيرُ الحدودِ ، فإنها تواطؤُ أهلِ قريةٍ من القرى على أن يمنعون رِعْيانَهم من بعض أوديتِهم أو جبالِهم ليتوفَّر الكلأُ في ذلك المكان ، ويكون مدَّخرًا لهم من أيام الخِصْبِ إلى أيام الجَدْبِ ، فيرعَونَ فيه سوائِمَهم عند الحاجة إليه . فالذي تكلَّم عليه ابنُ حابس هو هذا ، وهو غير الحدودِ التي كلامنا فيها [ 1 أ ] . وفَرْقٌ بين المحاجرِ والحدودِ ؛ فإن المحاجِرَ ليس فيها المنعُ من الكلأ المباح إلاَّ لمصلحة راجعة إلى الممنوعينَ ، وهي انتفاعُهم به في أيام الحاجة إليه ، وهو باقٍ لهم مُدَّخَرٌ لمواشيهم بخلاف الحدود بين البلدانِ ، فإن وضْعَها لمنع بعض المواضعِ عن البعض الآخرِ منعًا مطلقًا ، وتخصيصَ استحقاقِه بالبعض الآخر ، وهذا هو المنع الذي تردُّه تلك الأحاديث التي حررناها في الرسالة ( 1 ) المذكورة ، وهذا الذي يسمونه مَحْجَرًا عُرْفًا هو الذي كانت العربُ تسميه حِمًى ، وقد ذكرنا في الوجه الثالث من الأدلة في " عقد الجمان " الأدلةَ القاضية بتسويغه ، والقاضيةَ بمنعه ، وفرَّقنا بينه وبين الحدود ، فلْيُرَاجِعِ الشرفيُّ ذلك - كثر الله فوائده - وبالجملةِ فكلامُ ابن حابسٍ الذي نقله الشرفي مستدلاً به على ما قاله في تلك الأبحاثِ ، مصرِّحًا بأنه لم يقف في المسألة على كلام لأحد من المجتهدينَ سواهُ هو في غير ما نحن بصدده من الحدود ، فحينئذ لم يبقَ قائلٌ من أهل الاجتهاد يقول بتسويغ الحدودِ المعروفةِ باعتراف مولانا الشرفي - كثر الله فوائده .
هامش
( 1 ) رقم ( 119 ) .