تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3955

مساهمون:

ص٣٩٥٥
وأخرج ابنُ أبي الدنيا ( 1 ) ، والبيهقيُّ ( 2 ) عن ابن الزبير أنه خطبَ بمكةَ فقال : بلغني عن رجال يلعبونَ بلعبةٍ يقال لها النردشيرُ ، وإني أحلق بالله لا أوتي بأحدٍ يلعبها إلاَّ عاقبته في شعره وبَشَرِهِ ، وأعطيتُ سَلَبَهُ من أتاني به . وأخرج ابن أبي الدنيا ( 3 ) ، والبيهقي ( 4 ) عن ابن عمرَ أنه مرًّ بقوم يلعبونَ بالشاهِ فأحرقها بالنارِ . ويعني بالشاهِ الشطرنجَ ، وأخرجَ البيهقيُّ ( 5 ) عن ابن عباس أنه أحرق آلةَ شطرنجٍ وجدَها في مال يتيمٍ . فهذه أحاديثُ عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وآثارٌ عن جماعةٍ في أصحابه - رضي الله عنهم - فيها العقوبةُ لأهل المعاصي بالهدْمِ والإحراقِ والتمزيقِ ، ولا فرقَ بينها وبين قطع نخلِ المُضارّ الذي استشكلَه السائلُ - - كثر الله فوائده - وأما نصوصُ أهلِ العلم من أئمةِ المذاهبِ وغيرهم في العقوبة للعصاة بإتلافِ أموالِهم بالهدمِ والإحراقِ والكسرِ والتمزيقِ ، وأخْذِ أموالِهم وَوَضْعِها في مصارِفها فهي كثيرةٌ ( 6 ) جدًا ، لا يتّسع لها
هامش
( 1 ) في " ذم الملاهي " ( ص 73 رقم 85 ) بإسناد حسن . ( 2 ) في " السنن الكبرى " ( 10 / 216 ) . قلت : وأخرجه البخاري في " الأدب المفرد " رقم ( 1275 ) . ( 3 ) في " ذم الملاهي " ( ص 80 رقم 101 ) بإسناد صحيح . ( 4 ) في " الشعب " رقم ( 6530 ) و " السنن الكبرى " ( 10 / 212 ) . ( 5 ) في " الشعب " رقم ( 6518 ) . ( 6 ) انظر " جامع الفقه " موسوعة الأعمال الكاملة لابن قيم الجوزية ( 6 / 548 - 549 ) : قال ابن تيمية : واجبات الشريعة التي هي حق الله تعالى ثلاثة أقسام : عبادات : كالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة وكفارات . وكل واحد من أقسام الواجبات ينقسم إلى بدني ، وإلى مالي ، وإلى مركب منهما . فالعبادات البدنية : كالصلاة والصيام . فالعبادات المالية : كالزكاة ، والمركبة : كالحج . الكفارات المالية : كالإطعام ، والبدنية ، كالصيام ، والمركبة كالهدي يذبح ويقسم . العقوبات البدنية : كالقتل والقطع ، والمالية : كإتلاف أوعية الخمر . والمركبة : كجلد السارق من غير حرز ، وتضعيف الغرم عليه ، وكقتل الكفار وأخذ أموالهم . العقوبات البدنية : تارة تكون جزاء على ما معنى ، كقطع السارق ، وتارة تكون دفعًا عن الفساد المستقبل ، وتارة تكون مركبة ، كقتل القاتل . وكذلك المالية ، فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر . وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف وإلى تغير ، وإلى تمليك الغير . فالأول : المنكرات من الأعيان والصور ، يجوز إتلاف محلها تبعًا لها مثل الأصنام المعبودة من دون الله ، لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها ، فإذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها ، وكذلك آلات الملاهي - كالطنبور - يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء . انر : " مجموع الفتاوى " ( 11 / 659 ) ( 28 / 119 ) ( 34 / 148 ) ، " الاختيارات " للبعلي ( 515 ) . قال ابن قيم الجوزية : " وكذلك لا ضمان في تحريق المكتب المضلة وإتلافها " . قال المروزي : قلت لأحمد : استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة ، ترى أن أخرقه أو أحرقه ؟ قال : نعم . وقد رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيد عمر كتابًأ اكتتبه من التوراة ، وأعجبه موافقته للقرآن ، فتمعَّر وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى ذهب به عمر إلى التنور ، فألقاه فيه " . أخرجه ابن كثير في تفيسره ( 4 / 296 ) وأخرجه أحمد ( 3 / 387 ) بنحوه . قال الألباني في " الإرواء " حديث حسن ( 6 / 34 - 38 رقم 1589 ) . قال ابن القيم : فكيف لو رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما صنف بعده من الكتب التي يعارض لها من القرآن والسنة ؟ والله المستعان . وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها ، بل مأذون في محقها وإتلافها ، وما على الأمة أضر منها . وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان ، لمّا خافو على الأمة من الاختلاف ، فكيف لو رأو هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة ؟ ! .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3955 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق