وسلم - : " أعطها شيئا " قال : ما عندي شيء . قال : " أين درعك الحطمية ؟ " ، وفي لفظ لأبي داود ( 1 ) أنه أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - حتى يعطيها شيئا ، فقال : يا رسول الله ، ليس لي شيء ، فقال له : " أعطها درعك " فأعطاها درعه ، ثم دخل بها .
واستدل من لم يجعل ذلك واجبا بما أخرجه أبو داود ( 2 ) ، وابن ماجة ( 3 ) من حديث عائشة قالت : أمرني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أن لا أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا ، وقد سكت على هذا الحديث أبو داود ، والمنذري . ويمكن الجمع بين الحديثين بوجوه :
منها : أنه يجب تقديم التسليم مع الطلب من الولي ، أو المرأة , ولا يجب مع عدم ذلك ، وإن كان هو الباعث على عهد النبوة ، الشائع الذائع ، فأقل الأحوال أن يكون سنة مؤكدة مع عدم الطلب , واجبا منجما معه ، فهذا حاصل ما ينبغي أن يقال به في هذه المسألة ، وإن كان المقام يحتمل التطويل والبسط ( 4 ) .
هامش
( 1 ) في " السنن " رقم ( 2126 ) .
( 2 ) في " السنن " رقم ( 2128 ) .
( 3 ) في " السنن " رقم ( 1992 ) وهو حديث ضعيف .
( 4 ) قال الماوردي في " الحاوي الكبير " ( 2 / 162 - 165 ) : إذا امتنعت المرآة من تسليم نفسها لقبض صداقها لم يخل خاله من ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يكون جميعه حالا .
والثاني : أن يكون جميعه مؤجلا .
والثالث : أن يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا .
القسم الأول : وهو أن يكون جميعه حالا ، إما بإطلاق العقد ، أو بالشرط فيكون حالا بالعقد ، والشرط تأكيد ، فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على قبض صداقها ، كما كان لبائع السلعة أن يمتنع من تسليمها على قبض ثمنها .
فإن تطوعت بتسليم نفسها قبل قبض الصداق ، ثم أرادت بعد التسليم أن تمتنع عليه لقبض الصداق فهذا على ضربين :
الأول : أن لا يكون قد وطئها ، فلها أن تمتنع عليه ، وإن سلمت نفسها إليه إذا لم يكن قد وطئها ، لأن القبض في النكاح يكون بالوطء الذي يستقر به كمال المهر دون التسليم ، وهذا متفق عليه .
الثاني : أن يكون قد وطئها بعد التسليم ، فليس لها عندنا أن تمتنع عليه .
وقال أبو حنيفة : لها الامتناع بعد الوطء ، كما كان لها الامتناع قبله احتجاجا بأن الصداق في مقابلة كل وطء في النكاح لأمرين :
أحدها : أنه لو كان في مقابلة الأول لوجب للثاني مهر آخر .
الثاني : أنه لو كان في مقابلة كل وطء ، لم يكن تسليمها لبعض الحق مسقطا لحقها في منع ما بقي ، كمن باع عشرة أثواب فسلم أحدها قبل قبض الثمن ، كان له حبس باقيها ، كذلك هاهنا .
قال : ولأنها لم تستوف مهرها مع استحقاق المطالبة ، فجاز لها أن تمتنع من تسليم نفسها قياسا على ما قبل الوطء .
وقد تقدم مناقشة ذلك .
القسم الثاني : وهو أن يكون صداقها مؤجلا ، فيجوز إذا كان الأجل معلوما لأن كل عقد صح بعين وبدين ، صح أن يكون معجلا ومؤجلا ، كالبيع ، وإذا كان الصداق مؤجلا ، فعليها تسليم نفسها ، وليس لها الامتناع لقبض الصداق بعد حلول الأجل ، لأنها قد رضيت بتأخير حقها وتعجيل حقه ، فصار كالبيع بالثمن المؤجل يجب على البائع تسليم المبيع قبل قبض الثمن . فعلى هذا لو تأخر تسليمها لنفسها حتى حل الأجل ، فأرادت الامتناع من تسليم نفسها حتى تقبض الصداق ، لم يكن ذلك لها ، وإن حل ، لأنها لم تستحق الامتناع عليه بالعقد .
القسم الثالث : وهو أن يكون بعض صداقها حالا وبعضه مؤجلا ، فيصح إذا كان قدر الحال منه معلوما وأجل المؤجل معلوما . ولها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض الحال ، وليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض المؤجل ، فيكون حكم الحال منه كحكمه لو كان جميعه حالا ، وحكم المؤجل منه كحكمه لو كان جميعه مؤجلا ، فلو تراخى التسليم حتى حل المؤجل كان لها منع نفسها على قبض المعجل دون ما حل من المؤجل .
وانظر : " المغني " ( 10 / 115 ) .