جاءته امرأة فقالت : إني قد وهبت نفسي لك ، فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " هل عندك من شيء تصدقها ؟ " قال : ما عندي إلا إزاري ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا " ، فقال : ما أجد شيئا ، فقال : " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال له رسول [ الله ] - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " هل معك شيء من القرآن ؟ " فقال : نعم ، سورة كذا وسورة كذا ، لسور سماها ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " قد زوجتها بما معك من القرآن " ، وللحديث ألفاظ وروايات ( 1 ) .
والمراد من هذا أنه قدم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - سؤاله عن وجود المهر لديه ، ثم ما زال ينتقل معه إلى خاتم الحديد ( 2 ) ، ثم إلى تعليمها ما يحفظه من القرآن ( 3 ) ، فأفاد ذلك أن تعجيل المهر وتقديمه على النكاح هو الثابت . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) تقدم ذكرها .
( 2 ) قال القرطبي : في " المفهم " ( 4 / 131 ) : وفيه دليل على جواز كون الصداق منافع ، وبه قال الشافعي وإسحاق والحسن بن حي ومالك في أحد قوليه وكرهه أحمد .
وقال مالك في القول الثاني : ومنعه أبو حنيفة في الحر ، وأجازه في العبد إلا أن يكون جواز الإجارة على تعليم القرآن ، فلا يجوز بناء على أصله في أن تعليم القرآن لا يؤخذ عليه أجر .
والجمهور على جواز ذلك . أي على جواز كون الصداق منافع ، وهذا الحديث رد على أبي حنيفة في منعه أخذ الأجر على تعليم القرآن ويرد عليه أيضًا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " أخرجه البخاري رقم ( 5737 ) .
( 3 ) وفيه ما يدل على أن المهر الأولى فيه أن يكون معجلا مقبوضا . وهو الأولى عند العلماء باتفاق .
ويجوز أن يكون مؤخرا على ما يدل عليه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن ، فعلمها " فإنه قد انعقد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم . وهذا على الظاهر من قوله : " بما معك من القرآن " فإن الباء للعوض ، كما تقول : خذ هذا بهذا ، أي عوضا عنه .
وقوله : صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " علمها " نص في الأمر بالتعليم ، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح . "
المفهم " ( 4 / 130 - 131 ) .