[ بسم الله الرحمن الرحيم ]
وبعد حمد الله حق حمده ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله . فإنها لما وقعت المذاكرة من جماعة من الحكام الأعلام ، في كلام أهل المذهب الشريف أنه : لا ينقض حكم الحاكم إلا بدليل علمي . فقلت :
إن المراد بهذا الحكم ( 1 ) الذي لا يحل نقضه إلا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) الحكم في اللغة : القضاء والفصل لمنع العدوان ومنه قوله تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } [ النساء : 105 ] .
وقوله تعالى : { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق } [ ص : 26 ] .
ويطلق الحكم ويراد به العلم والفقه ومنه قوله تعالى : { وآتيناه الحكم صبيًا } [ مريم : 12 ] .
قال ابن الأثير في « النهاية » ( 1 / 419 ) : « الحكم : العلم والفقه والقضاء بالعدل » .
وقال صاحب « المصباح المنير » ( ص 56 ) : الحكم : القضاء وأصله المنع يقال حككمت عليه بكذا إذا منعه من خلافه فلم يقدر على الخروج من ذلك .
ومنه اشتقاق الحكمة ؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل .
ومعنى ذلك في الحكم الشرعي : أنه إذا قيل : « حكم الله في المسألة الوجوب » فإن المراد من ذلك أنه سبحانه قضى فيها بالوجوب ومنع المكلف من مخالفته .
- الحكم في اصطلاح الأصوليين : الحكم الشرعي : خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء ، أو التخيير أو الوضع .
أنواع الحكم الشرعي :
1 - الحكم التكليفي : وهو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير . -
وله خمسة أقسام : واجب ، ومندوب ، ومباح ، ومكروه ، ومحظور .
2 - الحكم الوضعي : هو خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببًا لشيء آخر ، أوشرطًا له ، أو مانعًا منه ، أو كون الفعل صحيحًا ، أو فاسدًا ، أو رخصة ، أو عزيمة ، أو أداء ، أو إعادة ، أو قضاءً .
وله أقسام عشرة : السبب ، والشرط ، والمانع ، والصحة ، والبطلان ، والعزيمة ، والرخصة ، والأداء ، والقضاء والإعادة .
الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي :
1 - الحكم الوضعي الخطاب فيه هو : خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه ، وربط فيه بين أمرين بحيث يكون أحدهما سببًا للآخر أو شرطًا أو مانعًا منه .
أما الحكم التكليفي فالخطاب فيه خطاب طلب الفعل ، أو طلب الترك : أو التخيير بينهما ، فخطاب التكليف هو طلب أداء ما تقرر بالأسباب والشرط والموانع .
2 - الحكم التكليفي يشترط له أن يستطيع المكلف فعله أي : يقدر على فعله ، أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه قدرة المكلف عليه : فقد يكون مقدورًا للمكلف ، وقد يكون غير مقدور للمكلف .
مثال : ما لا يقدر المكلف عليه : دلوك الشمس الذي هو سبب لوجوب الصلاة .
مثال : ما يقدر المكلف عليه : السرقة التي هي سبب في قطع اليد .
1 - أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف وهو من توفرت فيه شروط المكلف وهو كونه عاقلًا يفهم الخطاب .
أما الحكم الوضعي فإنه يتعلق بفعل المكلف وغير المكلف كالصبي والمجنون والنائم والناسي .
1 - أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بالكسب والمباشرة للفعل من الشخص نفسه بمعنى : أن المكلف فيه إذا عمل عملًا موافقًا لأمر فإنه يؤجر عليه ، وإذا عمل عملًا مخالفًا لذلك فإنه يعاقب عليه .
أما الحكم الوضعي فلا ينطبق عليه ذلك فقد يعاقب أناسًا بفعل غيرهم ولهذا وجبت الدية على العاقلة .
2 - أن الحكم التكليفي يشترط فيه : أن يكون معلومًا للمكلف ، وأن يعلم أن التكليف به صادر من الله عز وجل .
أما الحكم الوضعي فلا يشرط فيه علم المكلف فلذلك يرث الإنسان بدون علمه ، وتحل بعقد وليها عليها .
3 - أن خطاب التكليف هو الأصل ، وخطاب الوضع على خلافه فالأصل أن يقول الشارع : « أوجبت عغليكم أو حرمت » وأما جعله الزنا والسرقة علماًا على الرجم والطقع فبخلاف الأصل ولذلك يقدم الحكم التكليفي على الحكم الوضعي عند التعارض ، لأنه الأصل .
ومن العلماء من يقدم الوضعي ، لأنه لا يتوقف على فهم وتمكن .
انظر « البحر المحيط » ( 1 / 128 - 130 ) ، « الكوكب المنير » ( 1 / 333 - 336 ) .