بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أن حديث : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " ( 1 ) قد ظن بعض أهل العلم أنه لا يصح الاستدلال به على رفع الإثم عن المجتهد المخطئ ، وثبوت الأجر له ، زاعما أن المراد بالاجتهاد هنا هو بذل الجهد في البحث عن الخصومة الواردة عليه كالبحث مثلا عن عدالة الشهود ، وعن حال المدعي والمدعى عليه ، ونحو ذلك مما يتعلق بالخصومة ، وروي نحو هذا عن العلامة المقبلي ( 2 ) .
وأقول : قد تقرر في علم المعاني والبيان ( 3 ) - وهو العلم الباحث عن دقائق العربية وأسرارها - أن حذف المتعلق مشعر بالتعميم ، وهنا قد حذف المتعلق ، فيكون معناه البحث عن كل ما يتعلق بالخصومة من الأمور التي ينبغي البحث عنها ، وإن أهم هذه الأمور وأولاها بالبحث هو حكم الله ( 4 ) في تلك الحادثة التي وردت فيها الخصومة ؛ لأن الحاكم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 7352 ) ، ومسلم رقم ( 1716 ) ، وأحمد ( 4 / 198 ، 204 ) ، والدارقطني ( 4 / 211 ) ، والبيهقي ( 10 / 118 - 119 ) من حديث عمرو بن العاص .
وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1716 ) ، وأبو داود رقم ( 3574 ) ، والدارقطني ( 4 / 210 - 211 ) ، والبغوي رقم ( 2509 ) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي به .
وأخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 7353 ) ، ومسلم رقم ( 1716 ) ، وأبو داود رقم ( 3574 ) ، وابن ماجة رقم ( 2314 ) ، والدارقطني ( 4 / 210 - 211 ، 221 ) ، والبيهقي ( 10 / 119 ) ، والبغوي رقم ( 2509 ) ، وأحمد ( 4 / 198 ، 204 ، 205 ) ، والشافعي في ترتيب المسند ( 2 / 176 - 177 ) من طريق يزيد بن الهاد عن أبي بكر بن محمد بن حزم عن أبي هريرة .
وأخرجه الترمذي رقم ( 1326 ) ، والنسائي ( 8 / 223 - 224 ) ، والبيهقي ( 10 / 119 ) من طرق عن عبد الرزاق به .
( 2 ) في " العلم الشامخ " ( ص 488 - 489 ) .
( 3 ) انظر : " معترك الأقران في إعجاز القرآن " ( 1 / 240 - 244 ) .
( 4 ) قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " ( 1 / 87 - 88 ) : ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلا بنوعين من الفهم :
أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا .
ثانيهما : فهو الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر ، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا ، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله .
وقال عمر بن الخطاب في رسالة القضاء إلى أبي موسى الأشعري : . . . " ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق ، وإياك والغضب والقلق والضجر ، والتأذي بالناس ، والتنكر عند الخصومة أو الخصوم ، فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر . . . " .