وكان رئيسًا وَقُورًا مَهِيبًا ، مليح الصّورة ، عَلَى مجلسه جلالةٌ ؛ وكان الوزراءُ فمَنْ دونهم يمشونَ إِلى مجلسه ، وإذا ركب يركبون في خدمته ، وكان يُشْغِلُ النهار كُلَّه وبعضَ اللّيل .
قَالَ الأبّار : أخذ عَنْهُ جِلَّةٌ مِن شيوخنا ، وكان أَبُو مُحَمَّد القُرطبيّ ينكر سماعَه من النُّميريّ . وولي خَطابة إشبيلية مدَّةً ، ثُمَّ ولي قضاء جَيَّان ، ثُمَّ سكن مدينة فاس ، وعَلّم العربية ، وحدّث بها ، وبَعُدَ صيتهُ . وكان وقور المجلس حَسَن السَّمْت والهَدْي ، قد منع تلاميذَه من التّبَسُّط في السّؤالات ، وقصرهم عَلَى ما يُلقي إليهم . تُوُفّي بفاس في شوّال ، وله سبعون سنة .
وقال غيرهُ : عُزِلَ عَنْ قضاء جيان وأُهين ، ونسبوه إِلى أَنَّهُ ارتشى ، وأنه ارتكب من التِّيهِ والكِبْرِ ما لا يليقُ ، وذهب إِلى فاس .
ومن شِعره :
أنْكَرَ صَحْبِي أَنْ رَأَوْا طَرْفَه . . . ذَا حُمْرَةٍ يَشْقَى بِهَا المُغْرَمُ
لا تُنْكِرُوا المُحْمَرَّ مِنْ طَرْفِهِ . . . فَالسَّيْفُ لا يُنْكَرُ فِيهِ الدَّمُ
وقد مَرَّ أَبُوهُ في سنةِ أربعٍ وأربعين .
217 - موسى بْنُ الحُسَيْن بْن موسى بْن عِمران القَيسيّ ، أَبُو عِمران المِيرتُليّ ، [ المتوفى : 604 ه - ]
الزّاهد نزيل إشبيلية .
صحِب أبا عَبْد الله ابن المجاهد الزّاهد ، واختصَّ بِهِ ولازمَهُ .
قَالَ الأبّار : كَانَ منقطعَ القرينِ في الزُّهد والعبادة والورعِ والعُزْلَة ، مُشارًا إِلَيْهِ بإجابة الدّعوة ، لا يُعْدَل بِهِ أحد ، وله في ذَلِكَ آثار معروفة ، مَعَ الحظِّ الوافر مِن الأدب والتّقدّم في قَرْضِ الشِّعر ، وذلك في الزُّهد والتخويف وقد دُوِّنَ . وكان ملازمًا لمسجده بإشبيلية يُقرئ ويُعَلِّم ، ولم يتزوَّجْ قطُّ . حَدَّثَنَا عَنْهُ أَبُو سُلَيْمَان بنُ حَوْط الله ، وبَسَّام بنُ أَحْمَد ، وأَبُو زيد عَبْدُ الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد ، ومن شِعره :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 105
مساهمون: الذهبي
ص١٠٥