تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بُويع بالقاهرة يوم قُتِلَ والده وله خمسُ سِنين ، وقيل : بل سنتان ، فحمله الوزير عَبَّاس على كتفه ، ووقف في صحن الدار به ، مُظهِرًا الحزن والكآبة ، وأمر أنّ يدخل الأمراء ، فدخلوا ، فقال لهم : هذا ولد مولاكم ، وقد قتل عَمّاهُ مولاكم ، وقد قتلتُهُما كَمَا تَرَوْن به ، والواجب إخلاص الطّاعة لهذا الطِّفْل . فقالوا كلّهم : سمِعْنا وأَطَعْنا . وضجّوا ضجَّةً واحدةً بذلك ، ففزع الطفل ، وبال على كتِفِ عَبَّاس من الفَزَع . وسمّوه الفائز ، وسيّروه إلى أمه ، واختلّ عقله من تلك الصَّيْحة فيما قيل ، فصار يتحرّك فِي بعض الأوقات ويصرع . ولم تبق على يد عَبَّاس يدٌ ، ودانت له الممالك . وأمّا أهل القصر فإنّهم اطَّلعوا على باطن القضيَّة ، فأخذوا فِي إعمال الحيلة فِي قتل عَبَّاس وابنه ، فكاتبوا طلائع بْن رزُيّك الأرمنيّ والي منية بني خصيب ، وكان معروفًا بالشّجاعة والرأي ، فسألوه النُّصْرَة ، وقطعوا شُعور النِّسْوان والأولاد ، وسيّروها فِي طيّ الكتاب ، وسوّدوا الكتاب . فَلَمّا وقف عليه اطلَع من حوله من الْجُنْد عليه ، وأظهر الحُزْن ، ولبس السّواد ، واستمال عرب الصّعيد ، وحشد وجمع . ثُمَّ كاتَبَ أمراء القاهرة فِي الطَّلَب بدم الظّافر ، فوعدوه بما يحبّ ، فسار إلى القاهرة ، فَلَمّا قرُب خرج إليه الأمراء ، والْجُنْد ، والسُّودان ، وبقي عَبَّاس فِي نفرٍ يسير ، فهرب هُوَ وابنه وغلمانه والأمير أسامة بْن منقذ . وقيل : هُوَ الَّذِي أشار عليهما بقتل الظافر ، والعلم لله ؛ فنقل ابن الأثير قال : اتّفق أنّ أسامة بْن منقذ قَدِمَ مصر ، فاتّصل بعبّاس ، وحسَّن له قتْل زوج أمّه العادل عليّ بْن السلار فقتله ، وولاه الظّافر الوزارة ، فاستبدَّ بالأمر ، وتمّ له ذلك . وعلم الأمراء أنّ ذلك من فِعل ابن منقذ ، فعزموا على قتْله ، فخلا بعبّاسٍ وقال له : كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القَول مِن النّاس : أنّ الظّافر يفعل بابنك نصر ؟ وكان من أجمل النّاس ، وكان ملازمًا للظّافر . فانزعج لذلك فقال : كيف الحيلة ؟ قال : اقتله فيذهب عنك العار . فاتفق مع ابنه على قتله . وقيل : إنَّ الظّافر أقطع نصر بْن عَبَّاس قَلْيُوب كلَّها ، فدخل وقال : أَقْطَعَني مولانا قليوب . فقال ابن مُنْقذ : ما هِيَ فِي مَهْرك بكثير . فجرى ما ذكرناه .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 95 | الذهبي / بشار عوّاد معروف