وأدركتُ أيضًا أبا القاسم عمر بن تعويذ من أصحاب الشِّبْليّ ، وسمعته يقول : رأيت أبا بكر الشِّبْليّ في درب سليمان بن عليّ في رمضان ، وقد اجتاز على البقّال ، وهو يُنادي على البَقَل : يا صائم من كلّ الألوان . فلم يزل يكّرر هذا القول ويبكي ، ثمّ أنشأ يقول :
خليليَّ إنْ دام هَمُّ النُّفوس . . . على ما أراه سريعًا قَتَلْ
فَيَا سَاقيَ القَومِ لا تَنْسَني . . . ويَا رَبَّةَ الخِدْر غنِّي رَمَلْ
لقد كان شيءٌ يُسمَّى السُّرُورُ . . . قديمًا سمعنا به ما فَعَلْ
وقال السّمعاني : أنشدنا هبة الله بن طاوس ، قال : أنْشدنا رزق الله التّميميّ لنفسِهِ :
وما شَنَّأَنَّ الشَّيْبَ من أجل لَوْنِهِ . . . ولكنّه حادٍ إلى البَيْنِ مُسْرِعُ
إذا ما بدت منه الطَّليعة آذَنَتْ . . . بأنّ المَنَايا خَلْفَها تتطلَّعُ
فإنْ قصَّها المقراض صاحت بأختها . . . فتظهر تتلوها ثلاثٌ وأربع
وإنْ خُضِبَتْ حالَ الخِضَاب لأنّه . . . يُغَالبُ صُنْعَ اللهِ واللهُ أصنعُ
إذا ما بَلَغَت الأربعينَ فقُلْ لِمَنْ . . . يَوَدُّك فيما تشتهيه ويُسْرعُ
هَلُمُّوا لِنَبْكي قبل فُرْقة بَيْننا . . . فما بَعْدَها عيشٌ لذيذٌ ومَجْمَعُ
وخَلِّ التَّصَابي والخلاعَةَ والهَوَى . . . وأُمَّ طريقَ الخير فالخيرُ أنْفعُ
وخُذْ جنة تُنْجي وزادًا من التُّقى . . . وصُحْبَة مأمومٍ فقصدُك مفزعُ
قال أبو عليّ بن سُكَّرَة : رِزقُ الله التّميميّ ، قرأت عليه برواية قالون خِتْمةً ، وكان كبيرَ بغداد وجليلَها ، وكان يقول : كلّ الطّوائف تدّعيني . وسمعته يقول : يَقْبُحُ بكم أن تستفيدوا منّا ثمّ تذكرونا ، فلا تترحّموا علينا ؛ فرحمه الله .
قلتُ : وآخر من روى عنه سماعًا أبو الفتح ابن البطّي ، وإجازةً أبو طّاهر السِّلَفيّ .
قال ابن ناصر : تُوُفّي شيخنا أبو محمد التّميميّ في نصف جُمَادى الأولى سنة ثمانٍ . ودُفِن في داره بباب المراتب . ثمّ دفن في سنة إحدى وتسعين إلى جنْب قبر الإمام أَحْمَد .
قال أبو الكَرَم الشَّهْرُزُوريّ : سمعته يقول : دخلت سَمَرْقَنْد ، فرأيتهم
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 597
مساهمون: الذهبي
ص٥٩٧