تاجرًا ، ثُم عظُم حتّى صار من المخاطبين من مجالس السَّلاطين ، لم يستغنوا عن الاعتضاد به وبرأيه ، فرغب إِلَى الخيرات ، وأناب إِلَى التَّقْوى والورع ، وبنى المساجد والرَّباطات ، وبنى جامع مدينته مروالروذ . وكان كثير البِرّ والإيثار ، يكسو فِي الشتاء نحوًا من ألف نفس ، وسعى فِي إبطال الأعشار عن البلد ، ورفع الوظائف عن القُرى . ومن ذلك أنه استدعى صدقةً عامة على أَهْل البلد ، غنيّهم وفقيرهم ، فكان يطوف العاملون على الدُّور والأبواب ، ويُعدّون سكانها ، فيدفع إِلَى كل واحدٍ خمسة دراهم . وتمّت هَذِهِ السُّنَّة بعد موته . وكان يُحيى اللَّيالي بالصلاة ، ويصوم الأيام ، ويجتهد فِي العبادة اجتهادًا لا يطيقه أحد . قال : ولو تتبعنا ما ظهر من آثاره وحسناته لَعَجَزْنا .
وقال أَبُو سعْد السمعاني : حسّان بْن سَعِيد بْن حسّان بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن مَنِيع بْن خَالِد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن الْوَلِيد الْمَخْزُومِيُّ المنيعي ، كان فِي شبابه يجمع بين الدّهْقَنة والتجارة ، وسلك طريق الفتيان حَتَّى سادَ أَهْل ناحيته بالفُتُوّة والمروءة والثروة الوافرة . إلى أن قال : ولما تسلطن سلجوق ظهر أمره ، وبنى الجامع بمروالروذ ، ثُمَّ بنى الجامع الجديد بنَيْسابور . وبلغني أن عجوزًا جاءته وهو يبنيه ، ومعها ثوبٌ يساوي نصف دينار وقالت : سمعتُ أنّك تبني الجامع ، فأردت أن يكون لي فِي البقعة المباركة أثر . فَدَعا خازنه واستحضر ألف دينار ، واشترى بها منها الثوب ، وسلَّم المبلغَ إليها ، ثمّ قبضه منها الخازن ، وقال له : أنفِقْ هَذِهِ الألف منها فِي عمارة المسجد . وقال : احفظ هَذَا الثوب لكَفَنِي أَلْقى اللَّه فِيهِ . وكان لا يُبالي بأبناء الدنيا ولا يتضعضع لهم . وحُكِي أنّ السلطان اجتاز بباب مسجده ، فدخل مراعاةً له ، وكان يُصلّي ، فَمَا قطع صلاته ، ولا تكلَّف حَتَّى أتمّها . فقال السلطان : فِي دولتي مَن لا يخافني ولا يخاف إلا الله . وحيث وقع القحط في سنة إحدى وستين كان ينصب القُدُور ويطبخ ، ويحضر كل يوم ألف من خبز ويطعم الفقراء . وكان فِي الخريف يتّخذ الجباب والقُمُص والسراويلات للفقراء ، ويجهّز بنات الفقراء ، ورفع الأعشار من أبواب نيسابور . وكان
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 191
مساهمون: الذهبي
ص١٩١