كثير التّأليف في علوم القرآن ، محسنًا لذلك ، مجوِّدًا للقراءات السَّبْع ، عالمًا بمعانيها ، وُلِد سنة خمسٍ وخمسين وثلاث مائة بالقيروان ، فأخبرني أنّه سافر إلى مصر وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، واختلف إلى المؤدِّبين بالحساب ، وأكمل القرآن بعد ذلك ، ورجع إلى القيروان ، ثمّ رجع فأكمل القراءات على أبي الطّيّب سنة ستٍّ وسبعين وثلاث مائة ، وقرأ القراءات بالقيروان سنة سبْعٍ وسبعين ، ثمّ نهض إلى مصر وحجّ وابتدأ بالقراءات بمصر ، ثم رجع وعاد إلى مصر سنة اثنتين وثمانين ، وعاد إلى بلاده سنة ثلاثٍ ، فأقرأ القراءات ، ثمّ خرج سنة سبْعٍ وثمانين فحجّ وجاورَ بمكّة ، فحجَّ أربع حججٍ متوالية ، ودخل إلى الأندلس في سنة ثلاثٍ وتسعين ، وجلس للإقراء بجامع قُرْطُبة وعظُم اسمه وجلَّ قدْرُه .
قال ابن بشْكُوال : ثمّ قلّده أبو الحزْم جَهْوَر خَطَابة قُرْطُبة بعد وفاة يونس بن عبد الله القاضي ، وكان قبل ذلك ينوب عن يونس في الخطبة ، وكان ضعيفًا عليها على أدبه وفهْمه ، وله ثمانون تأليفًا ، وكان خيِّرًا ، فاضلًا ، متديِّنًا ، متواضعًا ، مشهورًا بالصّلاح وإجابة الدّعوة . حكى أبو عبد الله الطّرفيّ قال : كان عندنا رجلٌ فيه حِدَّة ، وكان له على الشّيخ أبي محمد مكّيّ تسلُّط ، كان يدنو منه إذا خطب فيغمزه ويُحْصِي عليه سَقَطاته ، وكان الشّيخ كثيرا ما يتعلثم ويتوقَّف ، فجاء ذلك الرّجل في بعض الْجُمَع وجعل يحدّ النَّظر إلى الشّيخ ويغمزه ، فلمّا خرج ونزل معنا في موضعه ، قال : أمِّنوا على دعائي ، ثمّ رفع يديه وقال : اللهمَّ اكْفِنِيه ، اللهمَّ اكْفِنِيه ، اللَّهُمَّ اكفنيه ، فأمَّنّا . قال : فأُقْعِد ذلك الرّجل وما دخل الجامع بعد ذلك اليوم .
وقال ابن حَيّان : تُوُفّي ثاني المحرَّم ، وصلّى عليه ابنه أبو طالب محمد .
قلت :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 570
مساهمون: الذهبي
ص٥٧٠