معا ، وأغلقها من داخل ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى رِوَاقٍ ، وَفِي صَدْرِهِ مَجْلِسٌ مُغْلَقٌ ، فَقَعَدَ عَلَى بَابِهِ وَنَقَرَهُ ، فَسَمِعْنَا حِسًّا ، ثُمَّ نَقَرَ ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ عُودٍ ، فَغَنَّتْ جَارِيَةٌ ، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِثْلَهَا فِي حُسْنِ الْغِنَاءِ ، فَقَالَ لَهَا : غَنِّي صَوْتِي ، فَغَنَّتْ :
ومحبَّب شهد الرفاقُ وقبله . . . غَنَّى الْجَوَارِي حَاسِرًا ، وَمُنَقَّبَا
لَبِسَ الدَّلالَ وَقَامَ يَنْقُرُ دُفَّهُ . . . نَقْرًا أَقَرَّ بِهِ الْعُيُونَ وَأَطْرَبَا
إِنَّ النِّسَاءَ رَأَيْنَهُ فَعَشِقْنَهُ . . . وَشَكَوْنَ شِدَّةَ مَا بِهِنَّ فَكَذَّبَا
فَطَرِبْتُ وَاللَّهِ ، ثُمَّ غَنَّتْ فَرَقَصْنَا مَعًا ، ثُمَّ قَالَ لِي : انْهَضْ بِنَا ، فَلَمَّا صِرْنَا فِي الدِّهْلِيزِ ، قَالَ : أَتَعْرِفُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : لا ، قَالَ : هِيَ عُلَيَّةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ ، وَاللَّهِ لئن لفظت به لأقتُلَنَّك .
فقال له جدي : فقد والله لفظتُ به ، والله ليَقْتُلَنَّك .
قِيلَ : أَنْشَدَت جَعْفَرًا امْرَأَةٌ كِلابِيَّةٌ :
إِنِّي مَرَرْتُ عَلَى الْعَقِيقِ وَأَهْلُهُ . . . يَشْكُونَ مِنْ مَطَرِ الرَّبِيعِ نُزُورَا
مَا ضَرَّهُمْ إِذْ مَرَّ فِيهِمْ جَعْفَرٌ . . . أَنْ لا يَكُونَ رَبِيعُهُمْ مَمْطُورَا
وَرَوَى الإِسْكَافِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ قَالَ : قَالَ لِي الرَّشِيدُ بَعْدَ قَتْلِ جَعْفَرٍ وَصَلْبِهِ : اخْرُجْ بِنَا نَنْظُرْ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا عَايَنَهُ أَنْشَأَ يَقُولُ :
تَقَاضَاكَ دَهْرُكَ مَا أَسْلَفَا . . . وَكَدَّرَ عَيْشَكَ بَعْدَ الصَّفَا
وَلا تَعْجَبَنَّ فَإِنَّ الزَّمَانَ . . . رَهِينٌ بِتَفْرِيقِ مَا أَلَّفَا
الْحَارِثُ بْنُ أبي أسامة ، حدثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ - ثِقَةٌ - قَالَ : لَمَّا بَلَغَ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَتْلُ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ حَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ قَدْ كفاني مؤونة الدنيا ، فاكفه مؤونة الآخِرَةِ .
ابْنُ الْمَرْزُبَانِيِّ ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَلَدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا صُلِبَ جَعْفَرٌ ، وَقَفَ الرَّقَاشِيُّ الشَّاعِرُ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ :
أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا خَوْفُ وَاشٍ . . . وَعَيْنٌ لِلْخَلِيفَةِ لا تَنَامُ
لَطُفْنَا حَوْلَ جِذْعِكَ وَاسْتَلَمْنَا . . . كَمَا لِلنَّاسِ بِالْحَجَرِ اسْتِلامُ
فَمَا أَبْصَرْتُ قَبْلَكَ يَا ابْنَ يَحْيَى . . . حُسَامًا فَلَّهُ السَّيْفُ الْحُسَامُ
عَلَى اللَّذَّاتِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا . . . لِدَوْلَةِ آلِ بَرْمَكٍ السَّلامُ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 826
مساهمون: الذهبي
ص٨٢٦