أَبْلِغْ سُلَيْمَانَ أَنِّي عَنْهُ فِي شُغُلٍ . . . وَفِي غِنًى غَيْرَ أَنِّي لَسْتُ ذَا مَالِ
سخي بنفسي ، أني لا أَرَى أَحَدًا . . . يَمُوتُ هَزْلا ، وَلا يَبْقَى عَلَى حَالِ
الرِّزْقُ عَنْ قَدَرٍ لا الضَّعْفُ يَنْقُصُهُ . . . وَلا يَزِيدُ فِيهِ حَوْلُ مُحْتَالِ
وَالْفَقْرُ فِي النَّفْسِ لا فِي الْمَالِ تَعْرِفُهُ . . . وَمِثْلُ ذَاكَ الْغِنَى فِي النَّفْسِ لا الْمَالِ
قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : أَقَامَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ فِي خُصٍّ بِالْبَصْرَةِ لا يُقَدَّرُ عَلَى فَلْسَيْنِ ، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال .
وكان كثيرا ما يتمثل بقول الأَخْطَلِ :
وَإِذَا افْتَقَرْتَ إِلَى الذَّخَائِرِ لَمْ تَجِدْ . . . ذُخْرًا يَكُونُ كَصَالِحِ الأَعْمَالِ
وَقَدْ كَانَ الْخَلِيلُ آيَةً فِي قُوَّةِ الذَّكَاءِ .
قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : مَا رَأَيْتُ فِي الْمَشَايِخِ أَشَدَّ تَوَاضُعًا مِنْكَ يَا خَلِيلُ بْنَ أَحْمَدَ ، لا ابْنَ عَوْنٍ ، وَلا غَيْرَهُ .
وَيُقَالُ : بَرَزَ مِنْ أَصْحَابِ الْخَلِيلِ أَرْبَعَةٌ : النَّضْرُ ، وَسِيبَوَيْهِ ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ ، وَمُؤَرِّجُ بْنُ عَمْرٍو السَّدُوسِيُّ ، وَكَانَ أَبْرَعُهُمْ فِي النَّحْوِ : سِيبَوَيْهِ ، وَغَلَبَ عَلَى النَّضْرِ اللُّغَةُ ، وَعَلَى مُؤَرِّجٍ الشِّعْرُ وَاللُّغَةُ ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْحَدِيثُ .
وَلِلْخَلِيلِ كِتَابُ " الْعَيْنِ " ، وَهُوَ نَفِيسٌ مَشْهُورٌ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحَارِثِ الْكِنْدِيُّ ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ ، عَنْ أَبِي شِمْرٍ ، قَالَ : لَقِيَنِي الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ فَقَالَ : قَدْ وَضَعْتُ كِتَابًا أَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ ، فَقُلْتُ : إِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَمَا شَيْءٌ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَنْفَعَ مِنْهُ ، قَالَ : فَعَرَضَهُ علي فإذا هو أبعد شيء مِمَّا سَمَّى ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ آتاك علما له بهجة ، فلا تخلط ما لا تعلم بما تَعْلَمُ ، فَيُذْهِبَ مَا لا تَعْلَمُ بَهْجَةَ مَا تَعْلَمُ .
وَيُقَالُ : كَانَ سَبَبُ مَوْتِ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ : أُرِيدُ أَنْ أَعْمَلَ نَوْعًا مِنَ الْحِسَابِ تمضي به الجارية إلى الفامي فلا يمنكه أَنْ يَظْلِمَهَا ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يُعْمِلُ فِكْرَهُ ، فَصَدَمَتْهُ سَارِيَةٌ وَهُوَ غَافِلٌ فَانْصَرَعَ ، فَمَاتَ مِنْ ذلك .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 356
مساهمون: الذهبي
ص٣٥٦