فمحبة الله تعالى ومعرفته ودوام ذكره والسكون إليه والطمأنينة إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته ، هو جنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم ، وهو قوة عين المحبين ، وحياة العارفين .
وإنما تقر عيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل ، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين ، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات .
وإنما يصدق هذا من في قلبه حياة ، وأما ميت القلب فيوحشك ما له ثم ، فاستأنس بغيبته ما أمكنك ، فإنك لا يوحشك إلا حضوره عندك ، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك ، وترحل عنه بقلبك ، وفارقه بسرك ، ولا تشغل به عما هو أولى بك .
واعلم أن الحسرة كل الحسرة الاشتغال بمن لا يجر عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظك من الله عز وجل ، وانقطاعك عنه ، وضياع وقتك ، وضعف عزيمتك ، وتفرق همك .
فإذا بليت بهذا - ولا بد لك منه - فعامل الله تعالى فيه واحتسب عليه ما أمكنك ، وتقرب إلى الله تعالى بمرضاته فيه ، واجعل اجتماعك به متجراً لك لا تجعله خسارة وكن معه كرجل سائر في طريقه عرض له رجل وقفه عن سيره ، فاجتهد أن تأخذه معك وتسير به فتحمله ولا يحملك ، فإن أبى ولم يكن في سيره مطمع فلا تقف معه بلا ركب الدرب ودعه ولا تلتفت إليه فإنه قاطع الطريق ولو كان من كان ، فانج بقلبك ، وضن بيومك وليلتك ، لا تغرب عليك الشمس قبل وصول المنزلة فتؤخذ أو يطلع الفجر أنى لك بلماقهم .
( الخامسة والثلاثون )
أن الذكر يسير العبد هو في فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه ، وفي حال نعيمه ولذته ، وليس شيء يعم الأوقات والأحوال مثله ، حتى يسير العبد وهو نائم على فراشه فيسبق القائم مع الغفلة ، فيصبح هذا وقد قطع الركب وهو مستلق على فراشه ، ويصبح ذلك الغافل في ساقة الركب ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
وحكى عن رجل من العباد أنه نزل برجل ضيفاً فقام العابد ليله يصلي وذلك الرجل مستلق على فراشه ، فلما أصبحا قال له العابد : سبقك الركب ، أو كما قال .
فقال : ليس الشأن فيمن بات مسافراً وأصبح مع الركب ، الشأن فيمن بات على فراشه وأصبح قد قطع الركب .
وهذا ونحوه له محمل صحيح ومحمل فاسد ، فمن حكم على أن الراقد المضطجع على فراشه يسبق القائم القانت فهو باطل ، وإنما محمله أن هذا المستلقي على فراشه علق بربه عز وجل ، وألصق حبة قلبه بالعرش وبات قلبه يطوف حول العرش مع الملائكة قد غاب عن
الوابل الصيب من الكلم الطيب — صفحة 49
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٤٩