وَهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ سَجِيَّةً سُكَّانُ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْرَابُ وَاحِدُهَا أَعْرَابِيٌّ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ عَرَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا وَالْعَجَمُ فِي أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ مِنْ الضَّبْطِ مَا فِي الْعَرَبِ وَالْأَفْصَحُ فَتْحُهُمَا أَوْ ضَمُّهُمَا مَعًا وَهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ انْتَهَى وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ فِي فَتْحِهِمَا إلَخْ عَائِدٌ إلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ مَعْنَاهُ جَمِيعُهَا كَمَا عَلَيْهِ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّقَلَيْنِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَا الْجِنَّ مِنْ الْإِنْسِ دَاخِلٌ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْأُمَمُ جَمْعُ أُمَّةٍ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدٌ فِي اللَّفْظِ جَمْعٌ فِي الْمَعْنَى وَكُلُّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ أُمَّةٌ وَلَا يُعْتَبَرُ إنْكَارُ الْحَرِيرِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ وَلَا دَعْوَى انْفِرَادِهِ بِأَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى جَمِيعٍ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْبَاقِي لَا غَيْرَ وَحَكَى الْقَامُوسُ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ السَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَهُ جَمَاعَاتٌ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ انْتَهَى وَيَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ
شرح
قَوْلُهُ الْمَعْرُوفَةِ ) عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ لِدَفْعِ الدَّوْرِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْعَرَبِيَّةَ فِي تَعْرِيفِ الْعَرَبِ إذْ لَا تُعْرَفُ الْعَرَبِيَّةُ حَتَّى تُعْرَفَ الْعَرَبُ وَلَا تُعْرَفُ الْعَرَبُ حَتَّى تُعْرَفَ الْعَرَبِيَّةُ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ ( قَوْلُهُ سَجِيَّةً ) أَيْ سَلِيقَةً وَطَبِيعَةً فَلَا يَضُرُّهُ تَكَلُّمُهُ بِغَيْرِهَا إذَا تَعَلَّمَهَا وَمِثْلُهُ فِي الْعَجَمِ فَالْعَرَبُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِطَبْعِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِتَطَبُّعِهِ .
( قَوْلُهُ سُكَّانُ الْأَمْصَارِ ) بِالْمُقَابِلِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْصَارِ مَا يَشْمَلُ الْقُرَى فَفِي شَرْحِ الْكَشَّافِ لِلْقُطْبِ أَنَّ الْعَرَبَ سُكَّانُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَالْأَعْرَابُ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ ( قَوْلُهُ وَأَحَدُهَا أَعْرَابِيٌّ ) قَالَ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ الْوَاحِدُ أَعْرَابِيٌّ بِالْفَتْحِ ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ صَاحِبَ نُجْعَةٍ وَارْتِيَادٍ لِلْكَلَأِ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَالنِّسْبَةُ إلَى الْأَعْرَابِ أَعْرَابِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ لَهُ انْتَهَى أَيْ فَيَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ وَقَوْلُهُ لَا وَاحِدَ لَهُ أَيْ لَا مُفْرَدَ لَهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الشَّارِحِ وَاحِدُهَا أَعْرَابِيٌّ أَيْ الَّذِي هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْرَابِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَكُونُ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْأَعْرَابِ التَّبَايُنُ وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي وَيَكُونُ بَيْنَ الْعَجَمِ وَالْأَعْرَابِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْرَابِيٍّ عَجَمِيٍّ وَيَنْفَرِدُ الْأَعْرَابِيُّ إذَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَيَنْفَرِدُ الْأَعْجَمِيُّ فِي سَاكِنِ الْأَمْصَارِ وَاَلَّذِي فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْأَعْرَابَ سُكَّانُ الْبَوَادِي بِقَيْدِ كَوْنِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ فَإِذَنْ الْأَعْرَابُ أَخَصُّ مِنْ الْعَرَبِ فَهُوَ الرَّاجِحُ وَوَقَعَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ تَصْرِيفِ الْعِزِّيِّ لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ الْعَرَبُ خِلَافُ الْعَجَمِ سَكَنُوا الْبَوَادِيَ أَوْ الْقُرَى وَالْأَعْرَابُ سُكَّانُ الْبَوَادِي تَكَلَّمُوا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوَّلًا فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
( قَوْلُهُ وَالْأَفْصَحُ فَتْحُهُمَا ) أَيْ إذَا اقْتَرَنَ لَفْظُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَالْأَصَحُّ ضَمُّهُمَا مَعًا أَوْ فَتْحُهُمَا مَعًا لِلْمُشَاكَلَةِ وَمُقَابِلُ الْأَفْصَحِ فَتْحُ أَحَدِهِمَا وَضَمُّ الْآخَرِ فِي حَالَةِ الِاقْتِرَانِ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ ( فَائِدَةٌ ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا قَبْلَ إسْمَاعِيلَ وَيُقَالُ لَهُمْ الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ وَهُمْ قَبَائِلُ مِنْهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ وَقَحْطَانُ وَجُرْهُمُ وَغَيْرُهُمْ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ الْمُسْتَعْرِبَةُ فَهُمْ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ، وَهُوَ أَخَذَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ جُرْهُمَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْرِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ إسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرَادَ بِهَا عَرَبِيَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ ، وَأَمَّا عَرَبِيَّةُ قَحْطَانَ وَيَعْرُبَ فَكَانَتْ قَبْلَ إسْمَاعِيلَ .
( قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّقَلَيْنِ ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا لِلْمَلَائِكَةِ وَلَكِنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ « وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً » وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى { لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } [ الأنعام : 19 ] { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [ الفرقان : 1 ] فَإِنَّ مَنْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْعَالَمُ مَا سِوَى اللَّهِ وَعَلَى هَذَا فَفَائِدَةُ الرِّسَالَةِ لَهُمْ وَهُمْ مَعْصُومُونَ أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِتَعْظِيمِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَدُخُولُهُمْ تَحْتَ دَعَوْته تَشْرِيفًا لَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْسَلَيْنِ إلَّا أَنَّنَا لَمْ نَعْلَمْ عَيْنَ مَا كُلِّفُوا بِهِ بَلْ ذَهَبَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى بَعْثَتِهِ لِلْجَمَادَاتِ فَرَكَّبَ فِيهَا إدْرَاكًا لِتُؤْمِنَ بِهِ وَتَخْضَعَ لَهُ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَصَارَتْ بِإِيمَانِهَا بِهِ آمِنَةً مِنْ الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ فَقَدْ كَانَ يُخْسَفُ بِهَا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ بَلْ أُرْسِلَ بِاعْتِبَارِ رُوحِهِ الشَّرِيفَةِ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ نُوَّابُهُ فِي تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ .
( قَوْلُهُ الْمُكَلَّفِينَ ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الصِّبْيَانَ مُكَلَّفُونَ أَيْ مُطَالَبُونَ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابُهُمْ وَرِفْعَةُ دَرَجَاتِهِمْ فَيَكُونُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا لِلصِّبْيَانِ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ مَنْ عَدَا الْجِنَّ مِنْ الْإِنْسِ ) تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَإِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ الْمَبْعُوثُ لِسَائِرِ إلَخْ لِدُخُولِ الْجِنِّ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَ دَاخِلُونَ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ الَّذِي هُوَ سَيِّدُهُمْ فَيَعْلَمُ بَعْثَتَهُ إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهَا مَنْشَأُ السِّيَادَةِ ، فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ سَيِّدَهُمْ وَأَشْرَفَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ عِيسَى أَشْرَفُ مِنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ سَيِّدُهُمْ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ ؛ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَى الْعَرَبِ لَا يَكُونُونَ مُحْتَاجِينَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مُحْتَاجِينَ إلَّا لِمَنْ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَقَوْلُهُ مِنْ الْإِنْسِ بَيَانٌ لِمَنْ عَدَا الْجِنَّ وَقَوْلُهُ دَاخِلٌ التَّعْبِيرُ بِالدُّخُولِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْسَ بَعْضُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَأَنَّ هُنَاكَ مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مَنْ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ هُمْ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ لَكَانَ أَفْضَلَ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْإِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُمْ بَعْضُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ( قَوْلُهُ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ) حَتَّى مِنْ غَيْرِ النَّاطِقِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ « لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا » ( قَوْلُهُ وَكُلُّ جِنْسٍ ) أَيْ وَكُلُّ نَوْعٍ أَوْ أَرَادَ الْجِنْسَ اللُّغَوِيَّ .
( قَوْلُهُ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ ) أَيْ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى جَمِيعِ ( قَوْلُهُ انْفِرَادِهِ ) أَيْ الْجَوْهَرِيِّ عَطْفُ تَفْسِيرٍ ( قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هِيَ ) أَيْ سَائِرَ بِمَعْنَى الْبَاقِي ( تَتِمَّةٌ ) سَائِرَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى جَمِيعٍ يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ حَائِطٌ مُحِيطٌ بِهَا وَبِمَعْنَى بَاقِي يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ السُّؤْرِ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ الْبَاقِي مُطْلَقًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ أَوْ الْبَاقِي الْأَقَلُّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ( قَوْلُهُ وَحَكَى الْقَامُوسُ الْقَوْلَيْنِ ) لَا يَظْهَرُ بَلْ الْقَامُوسُ مُعْتَرِضٌ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا قَوْلًا وَقَوْلُهُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ فَمَعْنَاهُ مَجَازٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ السَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ فَانْظُرْ هَذَا الْحَصْرَ كَيْفَ يُقَالُ مَعَ هَذَا أَنَّهُ حَاكٍ لِلْقَوْلَيْنِ ( قَوْلُهُ جَمَاعَاتٌ )