عن مسروق ، عن عبد الله قال : الرشوة سُحت . قال مسروق : فقلنا لعبد الله : أفي الحكم ؟ قال : لا ثم قرأ : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) [ سورة المائدة : 44 ] ، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ سورة المائدة : 45 ] ، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ سورة المائدة : 47 ] .
* * *
وأصل " السحت " : كَلَبُ الجوع ، يقال منه : " فلان مسحُوت المَعِدَة " ، إذا كان أكولا لا يُلْفَى أبدًا إلا جائعًا ، وإنما قيل للرشوة : " السحت " ، تشبيهًا بذلك ، كأن بالمسترشي من الشَّره إلى أخذ ما يُعطاه من ذلك ، مثل الذي بالمسحوت المعدة من الشَّرَه إلى الطعام . يقالُ منه : " سحته وأسحته " ، لغتان محكيتان عن العرب ، ومنه قول الفرزدق بن غالب :
وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع . . . مِنَ الْمَالِ إلا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ ( 1 )
يعني بِ " المسحت " ، الذي قد استأصله هلاكًا بأكله إياه وإفساده ، ومنه قوله تعالى : ( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ) [ سورة طه : 61 ] . وتقول العرب للحالق : " اسحت الشعر " ، أي : استأصله .
* * *
هامش
( 1 ) ديوانه : 556 ، والنقائض : 556 ، وطبقات فحول الشعراء : 19 ، والخزانة 2 : 347 ، واللسان ( سحت ) ( جلف ) ، وسيأتي في التفسير 16 : 135 ، وفي غيرها كثير . والبيت من قصيدته المشهورة ، وقبل البيت : إِلَيْكَ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَمَتْ بِنَا . . . هُمُومُ الْمُنَى والْهَوْجَلُ الْمُتَعَسَّفُ
" الهوجل " : البطن الواسع من الأرض . و " المتعسف " : المسلوك بلا علم ولا دليل ، فهو يسير فيها بالتعسف . ويروى : " أو مجرف " ، وهو الذي جرفه الدهر ، أي : اجتاح ماله وأفقره . ويروى في " إلا مسحت أو مجلف " بالرفع فيهما ( كما سيأتي في 16 : 135 ، من التفسير ) . وقد تجرف النحاة هذا البيت إعرابًا وتأويلا .