لما قد دللنا عليه قبلُ من إخبار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويل لا يعلمه إلا الله . ولا شكّ أن معنى قوله : " قضينا " " فعلنا " ، قد علم تأويله كثيرٌ من جهلة أهل الشرك ، فضلا عن أهل الإيمان وأهل الرسوخ في العلم منهم .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : وما يعلم وقتَ قيام الساعة ، وانقضاء مدة أكل محمد وأمته ، ( 1 ) وما هو كائن ، إلا الله ، دونَ منْ سواه من البشر الذين أمَّلوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة . وأما الراسخون في العلم فيقولون : " آمنا به ، كل من عند ربنا " - لا يعلمون ذلك ، ولكن فَضْل عِلمهم في ذلك على غيرهم ، العلمُ بأن الله هو العالم بذلك دونَ منْ سواه من خلقه .
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، وهل " الراسخون " معطوف على اسم " الله " ، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه ، أمْ هم مستأنَفٌ ذكرهم ، ( 2 ) بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون : آمنا بالمتشابه وصدّقنا أنّ علم ذلك لا يعلمه إلا الله ؟
فقال بعضهم : معنى ذلك : وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردًا بعلمه . وأما الراسخون في العلم ، فإنهم ابتُدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون : آمنا بالمتشابه والمحكم ، وأنّ جَميع ذلك من عند الله .
ذكر من قال ذلك :
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " مدة أجل محمد . . . " ، والصواب ما في المخطوطة ، وانظر التعليق السالف ص : 196 رقم : 1 .
( 2 ) في المطبوعة : " أوهم مستأنف . . . " ، وأثبت ما في المخطوطة .