وقد فرَّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها ، فقال الكميت بن زيد :
تَذَكَّر مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبَهُ . . . يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلْ ( 1 )
وقال أيضًا :
أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ - آبَكَ - الطَّرَبُ . . . مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ ( 2 )
فيجاء ب " أنى " للمسألة عن الوجه ، وب " أين " للمسألة عن المكان ، فكأنه قال : من أيّ وجه ، ومن أي موضع راجعك الطرب ؟
والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره : " فأتوا حرثكم أنى شئتم " ، كيف شئتم - أو تأوله بمعنى : حيث شئتم = أو بمعنى : متى شئتم = أو بمعنى : أين شئتم = أن قائلا لو قال لآخر : " أنى تأتي أهلك ؟ " ، لكان الجواب
هامش
( 1 ) اللسان ( أبل ) آمره يؤامره : شاوره . وقوله : " نفيسه " جعل النفس نفسين ، لأن النفس تأمر . المرء بالشيء وتنهى عنه ، وذلك في كل مكروه أو مخوف فجعلوا ما يأمره " نفسًا " وما ينهاه " نفسًا " وقد بينها الممزق العبدي في قوله : أَلاَ مَنْ لِعَيْنٍ قَدْ نَآهَا حَمِيمُهَا . . . وَأَرَّقَنِي بَعْدَ المَنَامِ هُمُومُها
فَبَاتَتْ له نَفْسَانِ شَتَّى هُمُومُها . . . فنَفْسٌ تُعَزِّيهَا ونفْسٌ تَلُومُها
و " الهجمة " : القطعة الضخمة من الإبل من السبعين إلى المئة . ويقال : " رجل أبل " إذا كان حاذقا بمصلحة الإبل والقيام عليها . ولم أجد شعر الكميت ، ولكني أرجح أن هذا البيت من أبيات في حمار وحش ، قد أخذ أتنه ( وهي إناثه ) ليرد بها ماء ، فوقف بها في موضع عين قديمة كان شرب منها ، فهو متردد في موقفه ، فشبهه يراعى الإبل الكثيرة ، إذا كان خبيرًا برعيتها فوقف بها ينظر أين يسلك إلى الماء والمرعى .
( 2 ) الهاشميات : 31 . قوله : " آبك " معترضة بين كلامين كما تقول : " ويحك " بين كلامين وسياقه " أنى ومن أين الطرب " ؟ و " آبك " بمعنى " ويلك " يقال لمن تنصحه ولا يقبل ثم يقع فيما حذرته منه ، كأنه بمعنى : أبعدك الله ! دعاء عليه ؟ من ذلك قول رجل من بني عقيل : أَخَبَّرْتَنِي يَا قَلْبُ أَنَّكَ ذُو غَرًى . . . بَليْلَي ? فَذُقْ مَا كُنْتَ قبلُ تَقُولُ !
فآبَكَ ! هلاَّ وَاللَّيَالِي بِغِرَّةٍ . . . تُلِمُّ وَفِي الأَيَّامِ عَنْكَ غُفُولُ ! !
بيد أن أبا جعفر فسر " آبك " بمعنى : " راجعك الطرب " من الأوبة ، وهو وجه في التأويل ، ولكن الأجود ما فسرت والشعر بعده دال على صواب ما ذهبت إليه .