قيل : ذلك في كلام العرب موجودٌ مستفيضٌ ، والله تبارك وتعالى إنما خاطبَهم بمنطقهم ، فمن ذلك قول الشاعر : ( 1 )
كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُول كما . . . كَانَ الزِّنَاءُ فَريضَةَ الرَّجْمِ ( 2 )
وإنما الرجم فريضة الزنا . وكما قال الآخر :
إنّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ . . . تَحْلَى به العَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهْ ( 3 )
وإنما سراجٌ الذي يحلى بالعين ، لا العين بسراج .
* * *
وقد قال بعضهم : إن معنى قوله " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق " ، أن أهلَ الكتب الأوَل اختلفوا ، فكفر بعضهم بكتاب بعض ، وهي كلها من عند الله ، فهدى الله أهلَ الإيمان بمحمد للتصديق بجميعها .
وذلك قولٌ ، غير أن الأوّل أصح القولين . لأن الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) }
قال أبو جعفر : وأما قوله : " أم حسبتم " ، كأنه استفهم ب " أم " في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام ، لسبوق كلام هو به متصل ، ( 4 ) ولو لم يكن قبله كلام
هامش
( 1 ) هو النابغة الجعدي .
( 2 ) سلف تخريج البيت في 3 : 311 ، 312 .
( 3 ) سلف تخريج الشعر في 3 : 312 .
( 4 ) في المطبوعة : " لمسبوق كلام " وهو فاسد المعنى وذلك أن أحد شروط " أم " في الاستفهام : أن تكون نسقًا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام ( انظر ما سلف 2 : 493 ) وقوله " لسبوق " هذا مصدر لم يرد في كتب اللغة ، ولكني رأيت الطبري وغيره يستعمله وسيأتي في نص الطبري بعد 2 : 240 ، 246 ( بولاق ) .