القول في تأويل قوله تعالى : { مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ما ولاهم " : أيُّ شيء صَرَفهم عن قبلتهم ؟ وهو من قول القائل : " ولاني فلان دُبُره " ، إذا حوّل وجهه عنه واستدبره ، فكذلك قوله : " ما ولاهم " ؟ أيّ شيء حَوَّل وُجُوههم ؟ ( 1 )
* * *
وأما قوله : " عن قبلتهم " ، فإن " قبلة " كل شيء ما قابلَ وجهه . وإنما هي " فِعْلة " بمنزلة " الجلسة والقِعْدة " ، ( 2 ) من قول القائل . " قابلت فلانًا " ، إذا صرتُ قُبالته أقابله ، فهو لي " قبلة " وأنا له " قبلة " ، إذا قابل كلّ واحد منهما بوجهه وجهَ صاحبه .
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا - إذْ كان ذلك معناه ( 3 ) - : سيقول السفهاء من الناس لكم ، أيها المؤمنون بالله ورسوله ، - إذا حوّلتم وجوهكم عَن قبلة اليهود التي كانتْ لكم قبلةً قَبلَ أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شَطْر المسجد الحرام - : أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء ، فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم ؟
فأعلم الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، مَا اليهودُ والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشأم إلى المسجد الحرام ، وعلّمه ما ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب . فقال له : إذا قالوا ذلك لك يا محمد ، فقل لهم : " لله المشرقُ والمغرب يَهدي مَنْ يَشاء إلى صرَاط مستقيم " .
* * *
هامش
( 1 ) انظر ما سلف في معنى " ولي " 2 : 162 ، وهذا الجزء 3 : 115 .
( 2 ) انظر ما قال من ذلك في " الحكمة " في هذا الجزء 3 : 87 .
( 3 ) في المطبوعة : " إذ كان معناه " بإسقاط " ذلك " ، ولا يقوم الكلام إلا بها .