وإنما أمرهم جل ثناؤه في هذا الموضع بما أمرهم به ، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم ، ليَطَّهروا بذلك من الخطأ الذي سلف منهم في استنصاحهم اليهود ، وركون من كان ركن منهم إليهم ، وجفاء من كان جفا منهم في خطابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( راعنا ) ، إذْ كانت إقامة الصلوات كفارة للذنوب ، وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الآثام ، وفي تقديم الخيرات إدراك الفوز برضوان الله .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 110 ) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين ، أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا وعلانية ، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء ، فيجزيهم بالإحسان خيرا ، وبالإساءة مثلها . ( 1 )
وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر ، فإن فيه وعدا ووعيدا ، وأمرا وزجرا . وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ، ليجدوا في طاعته ، إذْ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه ، كما قال : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) ، وليحذروا معصيته ، إذْ كان مطلعا على راكبها ، بعد تقدمه إليه فيها بالوعيد عليها ، وما أوعد عليه ربنا جل ثناؤه فمنهي عنه ، وما وعد عليه فمأمور به .
* * *
وأما قوله : ( بصير ) ، فإنه " مبصر " صرف إلى " بصير " ، كما صرف " مبدع " إلى " بديع " ، و " مؤلم " إلى " أليم " . ( 2 )
* * *
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " جزاءه " والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 281 .
( 2 ) انظر ما سلف 1 : 283 ، وهذا الجزء 2 : 140 ، 377 .