يعني : أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها ; لأن القضاء هنالك من الحسنات والسيئات على ما وصفنا . وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسره أن يثبت له على ولده أو والده حق ، فيؤخذ منه ولا يتجافى له عنه ؟ . ( 1 )
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى قوله : ( لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) : لا تجزي منها أن تكون مكانها .
وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده . ( 2 ) وذلك أنه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل : " ما أغنيت عني شيئا " ، بمعنى : ما أغنيت مني أن تكون مكاني ، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء ، قالوا : " لا يجزي هذا من هذا " ، ولا يستجيزون أن يقولوا : " لا يجزي هذا من هذا شيئا " .
فلو كان تأويل قوله : ( لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) ما قاله من حكينا قوله لقال : ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس ) كما يقال : لا تجزي نفس من نفس ، ولم يقل : " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " . وفي صحة التنزيل بقوله : " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " أوضح الدلالة على صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك . ( 3 )
* * *
القول في تأويل قوله تعالى { وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ }
قال أبو جعفر : و " الشفاعة " مصدر من قول الرجل : " شفع لي فلان إلى فلان شفاعة ( 4 ) وهو طلبه إليه في قضاء حاجته . وإنما قيل للشفيع " شفيع وشافع " لأنه
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " فيأخذه منه " ، والذي في المخطوطة أعرب . تجافى له عن الشيء : أعرض عنه ولم يلازمه بطلبه ، وتجاوز له عنه .
( 2 ) انظر ما مضى في معنى " ظاهر " 1 ، 72 ، تعليق : 2 ، وهذا الجزء 2 : 15 .
( 3 ) هذا من جيد البيان عن معاني اللغة ، وهو منهج من النظر سبق به الطبري كل من تكلم في الفصل بين معاني الكلام العربي .
( 4 ) في المخطوطة : " شفع لي فلان شفاعة " . بالحذف .