وتصييركم بشرًا كالذي كنتم قبل الإماتة ، تتعارفون في بعثكم وعند حشركم ( 1 ) .
* * *
وأما وجه تأويل من تأوّل ذلك : أنه الإماتة التي هي خروج الرّوح من الجسد ، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله " وكنتم أمواتًا " ، إلى أنه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم . وذلك معنى بعيد ، لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم ، لا استعتابٌ واسترجاعٌ ( 2 ) . وقوله جل ذكره : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " ، توبيخ مُستعتِبٍ عبادَه ، وتأنيبُ مسترجعٍ خلقَه من المعاصي إلى الطاعة ، ومن الضلالة إلى الإنابة ، ولا إنابة في القبور بعد الممات ، ولا توبة فيها بعد الوفاة .
* * *
وأما وجه تأويل قول قتادة ذلك : أنهم كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم . فإنه عنى بذلك أنهم كانوا نطفًا لا أرواح فيها ، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها . وإحياؤه إياها تعالى ذكره ، نفخُه الأرواح فيها ، وإماتتُه إياهم بعد ذلك ، قبضُه أرواحهم . وإحياؤه إياهم بعد ذلك ، نفخُ الأرواح في أجسامهم يوم يُنفخ في الصّور ، ويبْعثُ الخلق للموعود .
* * *
وأما ابن زيد ، فقد أبان عن نفسه ما قصَد بتأويله ذلك ، وأنّ الإماتة الأولى عند إعادة الله جل ثناؤه عبادَه في أصلاب آبائهم ، بعد ما أخذَهم من صُلب آدم ، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم ، وأن الإماتة الثانية هي قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب ( 3 ) ، والمصير في البرزخ إلى اليوم
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " لتعارفوا " ، وهي قريبة في المعنى .
( 2 ) الاستعتاب : الاستقالة من الذنب ، والرجوع إلى ما يجلب الرضا ، أي أن يستقيلوا وبهم ويستغفروه ، ويرجعوا عن إساءتهم ويطلبوا رضاه . واستعتبه : طلب إليه الرجوع إلى ما يرضى . والاسترجاع : طلب الرجوع . واسترجعه : رده الله إلى الطاعة .
( 3 ) في المخطوطة : " للعودة إلى التراب " ، وهي قريب .