القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 27 ) }
قال أبو جعفر : والخاسرون جمع خاسر ( 1 ) ، والخاسرون : الناقصُون أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته ، كما يخسرُ الرجل في تجارته ، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه ( 2 ) . فكذلك الكافر والمنافق ، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة ، أحوج ما كان إلى رحمته . يقال منه : خَسِرَ الرجل يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرَانا وخَسَارًا ، كما قال جرير بن عطية :
إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهُ . . . أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ ( 3 )
يعني بقوله : " في الخسار " ، أي فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم . وقد قيل : إن معنى " أولئك هم الخاسرون " : أولئك هم الهالكون . وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية ، بحرمان الله إياه ما حرَمه من رحمته ، بمعصيته إياه وكفره به . فحمل تأويلَ الكلام على معناه ، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها ، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه .
وقال بعضهم في ذلك بما :
575 - حُدِّثت به عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل " خاسر " ، فإنما يعني به الكفر ، وما نسبه إلى أهل الإسلام ، فإنما يعني به الذنب .
* * *
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " جمع الخاسر " ، وليست بشيء .
( 2 ) وضع في البيع يوضع ( مبني للمجهول ) وضيعة : إذا خسر خسارة من رأس المال .
( 3 ) ديوانه : 598 ، والنقائض : 4 ، واللسان ( قنن ) ، وروايته : " أبناء قوم " . وسليط : بطن من بني يربوع قوم جرير ، واسم سليط : كعب بن الحارث بن يربوع . وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي ، فهجاه جرير بهذا الرجز . وأقنة جمع قن ( بكسر القاف ) ، والقن : العبد الذي ملك هو وأبواه . والأنثى ، قن أيضًا بغير هاء .