تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفُرقة ، ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السُّنة إلى البدعة ( 1 ) .
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما وجه قوله : ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) ؟ وهل التجارة مما تَرْبَح أو تُوكس ، فيقال : رَبِحت أو وُضِعَت ( 2 ) ؟
قيل : إن وجه ذلك على غير ما ظننتَ . وإنما معنى ذلك : فما ربحوا في تجارتهم - لا فيما اشترَوْا ، ولا فيما شرَوْا . ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه عَرَبًا فسَلَك في خطابه إياهم وبيانه لهم ، مَسلكَ خطاب بعضهم بعضًا ، وبيانهم المستعمل بينهم ( 3 ) . فلما كان فصيحًا لديهم قول القائل لآخر : خاب سعيُك ، ونام ليلُك ، وخسِر بيعُك ، ونحو ذلك من الكلام الذي لا يخفى على سامعه ما يريد قائله - خاطبهم بالذي هو في منطقهم من الكلام ، فقال : ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة ، كما النومُ في الليل . فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك ، عن أن يقال : فما ربحوا في تجارتهم ، وإنْ كان ذلك معناه ، كما قال الشاعر :
وشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ . . . كَهُلْكِ الْفَتَاةِ أَسْلَمَ الْحَيَّ حَاضِرُهُ ( 4 )
يعني بذلك : وشر المنايا منيَّة ميت وَسط أهله ، فاكتفى بفهم سامع قِيلِه مرادَه من ذلك ، عن إظهار ما ترك إظهارَه ، وكما قال رؤبة بن العَجَّاج :
حَارِثُ ! قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي . . . فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي ( 5 )
فوَصف بالنوم الليل ، ومعناه أنه هو الذي نام ، وكما قال جرير بن الخَطَفَى :
وَأَعْوَرَ من نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ . . . فَأَعْمَى ، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ ( 6 )
فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار ، ومرادُه وصفَ النبهانيّ بذلك .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) }
يعني بقوله جل ثناؤه ( وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى ، واستبدالهم الكفرَ بالإيمان ، واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار .
* * *
هامش
( 1 ) الأثر 385 - في ابن كثير 1 : 96 ، والسيوطي 1 : 32 ، والشوكاني 1 : 34 .
( 2 ) وضع في تجارته يوضع وضيعة : غبن فيها وخسر ، ومثله : وكس .
( 3 ) في المخطوطة : " المستعلم بينهم " ، ولعلها سبق قلم .
( 4 ) هو للحطيئة ، من أبيات ليست في ديوانه ، بل في طبقات فحول الشعراء : 95 ، وسيبويه 1 : 109 وأمالي الشريف المرتضى 1 : 38 ، مع اختلاف في بعض الرواية ، ورواية الطبقات أجودهن . " أيقظ الحي " ، يعني أيقظ الحي حاضر الموت ، فقامت البواكي ترن وتندب ، وكأن رواية من روى " أسلم الحي " ، تعني أسلمهم للبكاء .
( 5 ) ديوانه : 142 ، يمدح الحارث بن سليم ، من آل عمرو بن سعد بن زيد مناة .
( 6 ) ديوانه : 206 ، والنقائض : 35 ، والمؤتلف والمختلف : 39 ، 161 ، ومعجم الشعراء 253 ، من شعر في هجاء الأعور النبهاني ، وكان هجا جريرًا ، فأكله جرير . قال أبو عبيدة : " أي هو أعور النهار عن الخيرات ، بصير الليل بالسوءات ، يسرق ويزني " .