وأما معنى الكفر في قوله " إن الذين كفروا " فإنه الجُحُود . وذلك أن الأحبار من يَهودِ المدينة جحدوا نبوّةَ محمد صلى الله عليه وسلم وستَروه عن الناس وكتمُوا أمره ، وهُمْ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .
وأصْلُ الكفر عند العرب : تَغطيةُ الشيء ، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا " ، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه ، كما قال الشاعر :
فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا ، بَعْدَ مَا . . . أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ ( 1 )
وقال لبيدُ بن ربيعة :
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا ( 2 )
يعني غَطَّاها . فكذلك الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته ، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) [ سورة البقرة : 159 ] ، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) .
* * *
هامش
( 1 ) الشعر لثعلبة بن صعير المازني ، شرح المفضليات : 257 . والضمير في قوله " فتذكرا " للنعامة والظليم . والثقل : بيض النعام المصون ، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون : ثقل . ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد : وضع بعضه فوق بعض ونضده . وعنى بيض النعام ، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض . وذكاء : هي الشمس .
( 2 ) معلقته المشهورة ، ويأتي في تفسير آية سورة المائدة : 12 ( 6 : 98 بولاق ) . ويروى " ظلامها " . وصدره : " يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا "
يعني البقرة الوحشية ، قد ولجت كناسها في أصل شجرة ، والرمل يتساقط على ظهرها .