وقد قدَّمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب ( 1 ) .
ومن أشرفِ تلك المعاني التي فَضَل بها كتابُنا سائرَ الكتب قبله ، نظْمُه العجيبُ ورصْفُه الغريب ( 2 ) وتأليفُه البديع ؛ الذي عجزتْ عن نظم مثْلِ أصغرِ سورة منه الخطباء ، وكلَّت عن وَصْف شكل بعضه البلغاء ، وتحيَّرت في تأليفه الشُّعراء ، وتبلَّدت - قصورًا عن أن تأتيَ بمثله - لديه أفهامُ الفُهماء ، فلم يجدوا له إلا التسليمَ والإقرار بأنه من عند الواحد القهار . مع ما يحوي ، مَع ذلك ، من المعاني التي هي ترغيب وترهيب ، وأمرٌ وزجرٌ ، وقَصَص وجَدَل ومَثَل ، وما أشبهَ ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء .
فمهما يكن فيه من إطالة ، على نحو مَا في أمِّ القرآن ( 3 ) ، فلِما وصفتُ قبلُ من أن الله جل ذكره أرادَ أن يجمعَ - برَصْفه العجيب ونظْمِه الغريب ، المنعدِلِ عن أوزان الأشعار ، وسجْع الكُهَّان وخطب الخطباء ورَسائل البلغاء ، العاجز عن رَصْف مثله جميع الأنام ، وعن نظم نظيره كل العباد - الدلالةَ ( 4 ) على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه ، تنبيهَ ( 5 ) العباد على عَظمته وسلطانه وقدرته وعِظم مَملكته ، ليذكرُوه بآلائه ، ويحمدوه على نعمائه ، فيستحقوا به منه المزيدَ ، ويستوجبوا عليه الثوابَ الجزيل ؛ وبما فيه من نَعْتِ من أنعم عليه بمعرفته ، وتفضَّل عليه بتوفيقه لطاعته ، تعريفَ ( 6 ) عباده أن كل ما بهم من نعمة ، في دينهم ودنياهم ، فمنه ، ليصرفوا رَغبتهم إليه ، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دُون ما سواهُ من الآلهة والأنداد ، وبما فيه من ذكره ما أحلّ بمن عَصَاه منْ مَثُلاته ، وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته - ترهيبَ ( 7 ) عباده عن ركوب
هامش
( 1 ) انظر ما مضى : 71
( 2 ) في المطبوعة " ووصفه " . ورصف الشيء ضم بعضه إلى بعض ونظمه حتى يكون مستويا محكما منضدا .
( 3 ) في المخطوطة : " آية القرآن " غير منقوطة .
( 4 ) " الدلالة " مفعول " أن يجمع . . . " ، ثم عطف عليها بعد ، ما سننبه له .
( 5 ) هذه جميعًا معطوفة على قوله " الدلالة " ، كما ذكرنا آنفًا .
( 6 ) هذه جميعًا معطوفة على قوله " الدلالة " ، كما ذكرنا آنفًا .
( 7 ) هذه جميعًا معطوفة على قوله " الدلالة " ، كما ذكرنا آنفًا .